دراما البيئة الشامية.. عناوين عديدة لنسخة واحدة

شهد الإنتاج الدرامي السوري في رمضان الماضي وفرة إنتاجية غير مسبوقة بأكثر من 25 مسلسلا دخلت السباق الدرامي، لكن هذه الوفرة الإنتاجية لم تأت بجديد على مستوى النص والحبكة الدرامية، خاصة في ما يتعلق بدراما البيئة الشامية.
الخميس 2016/09/22
"خاتون" فانتازيا شامية بنجوم عرب

حفل الموسم الرمضاني الماضي كعادة الدراما السورية، بدراما البيئة الشامية التي باتت “الحصان الرابح” للبعض من منتجي دراما الحنين إلى الزمن العربي الغابر، المتسم بالرجولة والأنفة والعزة والكرامة، الأمر الذي يجعل القنوات العربية تتسابق للظفر ببث مثل هذه النوعية من المسلسلات، نظير ما تحققه من نسب مشاهدة عالية وما تجنيه من ورائها من عائدات إعلانية.

“باب الحارة 8”، “خاتون”، “عطر الشام”، “طوق البنات” و”الخان” كلها أعمال عن البيئة الشامية، أتت بحياكة درامية تكاد تكون متشابهة ومكررة بلا جديد أو محفّز على المتابعة.

الحكايات هي نفسها عن رجال الحارة الشجعان الذين يحاربون الاحتلال الفرنسي بطريقة استعراضية متكلفة أحيانا، فيها من “الأكشن” أقصاه ومن الصدق قليله.

وفي مقابل الرجال الاستثنائيين تغرق نساء الحارة في حفلات النميمة والتذاكي على الزوج المحظوظ من أجل الفوز بقلبه أمام التنافس المحموم بين الزوجات العديدات، ما يغذي النظرة الذكورية الدونية للمرأة العربية، وهي التي تحاول اليوم جاهدة أكثر من أي وقت مضى أن تتقاسم معه الأدوار والحقوق والواجبات إزاء وطن تعصف به الحروب من كل اتجاه.

ومع ذلك تظل سوريا الراهنة في واد ومسلسلات البيئة الشامية في واد ثان، الأمر الذي جعل صناع “باب الحارة” في جزئه الثامن الأخير يعزفون على وتر الجمال، فيستعينون بنجومية سلاف فواخرجي التي قدمت شخصية المحامية “جولي”، بوصفها ناشطة حقوقيّة وأستاذة في “الجامعة السورية” تناصر النساء وتحظى بثقة الرجال وتترافع عنهم في الكثير من القضايا أمام المحاكم.

صناع (باب الحارة) سعوا إلى تغيير الوجهة الفكرية للعمل، وحرصوا على تقديم صورة واقعية لدور المرأة السورية في المجتمع

ومن هناك أتت شخصية “جولي” مناهضة للمشروع الاستعماري الفرنسي في سوريا، حيث تقف إلى جانب بلادها التي واجهت استحقاقات وطنية مصيرية خلال تلك الفترة، منها “سلخ لواء إسكندرون” ومنحه لتركيا، فساهمت بتنظيم المظاهرات الرافضة لذلك وشجّعت السيدّات على المشاركة فيها.

وهو دليل آخر على سعي صناع السلسلة الشامية الشهيرة إلى تغيير الوجهة الفكرية للعمل، وحرصهم على تقديم صورة أكثر واقعية لدور المرأة السورية الحقيقي في المجتمع، بعد الانتقادات الحادة التي طالتهم في الأجزاء السبعة الماضية من “باب حارتهم” الذي ظل موصدا أمام دور المرأة الفاعل في تغيير الأحداث خاصة والمجتمع السوري عامة.

ورغم اجتهاد فواخرجي في أدائها لشخصية “جولي”، إلا أن النقاد أجمعوا على أن الدور لم يضف إليها الكثير، وهو ما انسحب أيضا على مواطنتها سلافة معمار بطلة مسلسل “خاتون” في دور “نعمت” التي تلاعبت بـ”خاتون” (كندة حنّا) لفرط عقد العائلة في سبيل تحصيل الزعامة لزوجها ابن الزعيم “أبوالعز” (سلوم حداد). واستخدمت معمار أدواتها التمثيلية من أجل إبراز سيطرتها على زوجها بجمالها وفطنتها، ودفعه إلى تنفيذ ما تريده بفضل أنوثتها الساحرة، لتسقط مرة أخرى في أداء نمطي قوامه الدلال ولا شيء آخر سواه.

والجديد ربما الذي أتى به “خاتون” على خلاف بقية مسلسلات البيئة الشامية المشار إليها آنفا، من خلال مشاركة مجموعة من النجوم السوريين من أبرزهم باسم ياخور وكاريس بشّار وسلّوم حداد وكندة حنا وميلاد يوسف، إلى جانب نظرائهم من لبنان كيوسف الخال وطوني عيسى.

ومن هناك أتى المسلسل كما أراده صناعه “فانتازيا شامية” بعيدة عن النمطية التي سادت صورة “الحارة”، إلاّ أنها أتت نسخة مطابقة للأصل لسابقاتها من حيث الفكرة والطرح الدرامي الذي انتصر مرة أخرى لرجال الحارة في مواجهتهم للمحتل الفرنسي، وما يتخلله من إبراز للقيم الأخلاقية الآيلة للانقراض التي يود صناع الدراما السورية بثها في العرب، لا من خلال البث الحصري على القنوات العربية فحسب، بل ومن خلال نجوم عرب يتحدثون اللكنة الشامية بلهجاتهم المحلية أو بلغة فرنسية ركيكة، أما ما يحصل اليوم في سوريا الجريحة، فليس من قبيل الدراما، والحال أنها الدراما عينها.

16