دراما الجزائر تتوق إلى الخروج من العزلة بكفاءات عربية

يبدو أن الإنتاج الدرامي في الجزائر يتجه إلى الخروج من المواضيع الاجتماعية المملة، بعد موجة الانتقادات الموجهة للأعمال المعروضة على المشاهد الجزائري على مرّ السنوات الأخيرة، ويكون المختصون قد أعادوا حساباتهم في هذا القطاع، خاصة في ظل الاختلال الواضح بين الإنتاجين السينمائي والدرامي، فالأول يصول ويجول في مختلف المحافل والقاعات العالمية، بينما الثاني يقبع في قوقعة الموسم الرمضاني ولم يستطع تعدي حدود البلاد جغرافيا وفنيا.
الخميس 2016/08/18
شخصيات تاريخية لكسر حاجز المحلية

الجزائر – باشر التلفزيون الحكومي الجزائري، إنجاز مسلسلين من 30 حلقة للعمل الواحد، يقدمان حياة شخصيتين بارزتين في النضال السياسي والمقاومة والإصلاح الفكري، ويتعلق الأمر بالأمير عبدالقادر للمخرج السوري أيمن الشيخاني، والإمام عبدالحميد بن باديس للمخرج الجزائري عمار محسن، وذلك غداة إنجاز المسلسل التاريخي “طوق النار” للمخرج الأردني بسام المصري، وكتب نصه الكاتبان السوريان عبدالبارئ أبوالخير ومحمد عمر وزير، حول الشخصية التاريخية أمود بن مختار، الذي قاد المقاومة في الجنوب ضد الاستعمار الفرنسي.

وأعطيت منذ أسابيع إشارة انطلاق تصوير العملين، تحت الإشراف الرسمي لوزيري الثقافة والإعلام الجزائريين عزالدين ميهوبي وحميد قرين، في مشهد يوحي باحتكار السلطة للعمل الفني، ويعول القائمون على المسلسلين على تلافي المشاكل التي وقعت في مسلسل “طوق النار”، لما اضطر طاقم العمل إلى الدخول في مفاوضات مع أحفاد الشيخ أمود بن مختار، بعد احتجاجهم على الرواية التي قدمها نص المسلسل لجدهم.

قال المخرج بسام المصري “سهرت على تجسيد شخصية ومكانة السلطان أمود، وأضفيت قيمة فنية وإبداعية على الدراما الجزائرية، وقد التقيت بأحفاد الشيخ أمود بن المختار وأحفاد رفاقه في مقاومة التوارق لزحف الجيش الفرنسي باتجاه الصحراء الجزائرية الكبرى، وأجبت على تساؤلاتهم وانشغالاتهم وانتقاداتهم في ما يخص المسلسل التاريخي”.

وقال وزير الاتصال الجزائري حميد قرين، إن “مسلسل عبدالحميد بن باديس، سيكون مرجعا للشباب الجزائري، باعتباره يتناول شخصية العلامة عبدالحميد بن باديس، هذه الشخصية الوطنية التي حملت القيم وتميزت بالحكمة والتواضع، ونرجو أن ينتج هذا العمل بمعايير فنية وفكرية، تساعد الشباب على أخذ الدروس والعبر من حياة العلامة المليئة بالأحداث”.

وذكر بشأنه المخرج عمار محسن، بأن المسلسل كتب سيناريو حلقاته الكاتب رابح ظريف، عن نص للأديبة والوزيرة الجزائرية السابقة زهور ونيسي، يتضمن ثلاثين حلقة تتناول كل الأحداث الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي واكبت حياة الشيخ المصلح، منذ سنّ الثامنة وحتى وفاته في أبريل من أربعينات القرن الماضي، وأن التصوير سيتم بين مدينتي قسنطينة والجزائر العاصمة، وأن التحضيرات جارية الآن لإتمام هذا العمل في وقته المحدد.

عمار محسن: مسلسل عبدالحميد بن باديس يواكب حياة الشيخ المصلح

لهجة مغامرة

من جانب آخر وعد المخرج السوري أيمن الشيخاني، في لقاء إعلامي، بإخراج الدراما الجزائرية إلى السوق العربية، بداية من عمله القادم حول شخصية الأمير عبدالقادر، الذي سيكون باللهجة الجزائرية، حيث أبدى تفاؤلا بنجاحه، وبأن يكون عملا راقيا في مستوى شخصية الأمير بأبعادها الروحية والنضالية والإنسانية، وسيقدم لأول مرة للمشاهد العربي ليحتفي بقبسات مشرقة من تاريخه.

وأرجع المخرج أيمن الشيخاني، في سياق حديثه، أسباب تقوقع الدراما الجزائرية ومعاناتها من العزلة، إلى “الخوف على رأس المال والمغامرة، خاصة إذا كان العمل تابعا للخواص”، حيث قال “علينا البحث عن كيفية إيصال الدراما الجزائرية إلى الخارج، مع احترامي لكل الفاعلين فيها، لكن لا بد من قرار للخروج من الخارطة المرسومة للجزائر، ولا بد من تجاوز موانع اللهجة المغامرة في طرح المواضيع”.

ورغم هذه المؤشرات المتفائلة بدخول الدراما الجزائرية مرحلة جديدة، وتوجهها نحو النوعية والخروج من قوقعتها، إلاّ أن فاعلين في المجال الفني مازالوا يرسمون صورة قاتمة لراهنها ومستقبلها، في ظل تراكم فصول الأزمة المستشرية، وغياب الإرادة الحقيقية في تحرير الدراما من التسيير الإداري، والاحتكار البيروقراطي، الذي قلص من فرص الصناعة الدرامية المستقلة، والحريات الإبداعية. وتفادى عدد من الفنانين والممثلين في اتصالات لـ”العرب”، إعطاء تقييمات محايدة للأعمال الدرامية الجزائرية في الموسم الأخير، بسبب الخوف من تصفية الحسابات والملاحقة في رزق عائلاتهم، من قبل الجهات التي تحتكر الإنتاج، خاصة تلك المتصلة بالتلفزيون الحكومي، الذي يحتكر غالبية الأعمال المنجزة، وكل انتقاد وعدم مجاملة، قد تجران صاحبه إلى الوقوع في قائمة المغضوب عليهم.

سياسة التطبيل

أعرب ممثل أدى دورين في مسلسلين عرضا في التلفزيون الحكومي خلال شهر رمضان الماضي، رفض الكشف عن هويته، عن أسفه لفشل التلفزيونات الخاصة في فرض منافسة فنية على التلفزيون الحكومي، ومنح فسحة جديدة للفنانين والممثلين، تمكنهم من تفجير طاقاتهم الإبداعية، وتمكن من إثراء الدراما المحلية.

وقال “لا تستغربوا هذا هو حال الفنان الجزائري بصفة عامة، وكل رأي ينتقد ولا يجامل قد ينقلب على صاحبه، وسياسة الاحتكار الفني والإنتاجي هي التي حولت الفنان إلى بوق للتطبيل، وأي نقد أو رأي محايد هو مغامرة، رغم أن التقييم وبحث أسباب الفشل والنجاح، سبيلان للارتقاء بالإنتاج إلى مصاف الأعمال الكبرى”.

وأضاف “للأسف لا يمكن لمنتسبي الدراما أن يدلوا بآرائهم، لأن تقاطعات المال والسياسة والاحتكار، تضيق الخناق وترفض التغريد خارج السرب، رغم أن الكل يخفي عدم الرضا والاقتناع بما يقدم للمشاهد الجزائري، فنفوذ دوائر الإنتاج تطبق معايير خاصة بها في تقييم ونقد الإنتاج الدرامي، وهو واحد من أشكال الأزمة المسكوت عنها، رغم ما تسخره الموازنات الحكومية للقطاع″.

الشروع في تصوير مسلسلين حول شخصيتي الأمير عبدالقادر وعبدالحميد بن باديس يعتبر تخليدا لذكرى أعلام خدمت الجزائر

وكان عدد من الفاعلين في قطاع الإنتاج الدرامي والشركات الخاصة، قد وقعوا منذ أسابيع عريضة، وقعت فيها أكثر من خمسين شخصية فنية، ورفعت للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، للتنديد بالأساليب المشبوهة في تسيير الإنتاج الدرامي، المحتكر من قبل التلفزيون الحكومي، واتهم الموقعون من أسموهم بـ”اللوبيات النافذة” بالاحتكار والهيمنة على موازنات القطاع، حيث تتكرر في كل موسم نفس الشركات والأشخاص والوجوه، بينما يقصى ويهمش الآخرون.

وأكد المتحدث أن المنتجين المحتكرين للدراما معروفون في كواليس التلفزيون الحكومي، وحتى التلفزيونات الخاصة لم تستطع كسر الاحتكار، ولذلك تتشابه الأعمال في الجزائر، فنفس شركات الإنتاج ونفس المخرجين والكتاب والممثلين يتداولون على الساحة، وحتى ما يروج له على أنه انفتاح على الشباب هو استغلال بشع للطاقات الكامنة فيهم.

وتابع “من غير المعقول أن تحصر الإنتاجات الدرامية في شهر رمضان فقط، حتى صارت مرادفة للحلويات المستهلكة بكثرة في هذا الشهر، ولجنة القراءة في التلفزيون الحكومي المحتكر للقطاع، تستقبل يوميا نصوصا جديدة، إلاّ أن الكرة ترمى دائما في زاوية ضعف النصوص وهزالها، والحقيقة أن لجنة القراءة لا تقرأ، وأن الكتاب المؤهلين لاعتماد نصوصهم معروفون مسبقا، حتى ولو كانت هناك نصوص خارقة ستبقى في الأدراج، وحتى التلفزيونات الخاصة التي كان يعوّل عليها في كسر هذه التراجيديا، اتضح أنها مجرد فقاقيع سياسية وبقالات إعلامية لا ترتقي إلى مستوى المؤسسات التنافسية المحترفة”.

16