دراما "الرجل والمرأة" بحاجة للمزيد من الجرأة

المسلسلات المصرية تغلق الباب على العلاقة الشائكة، والقضايا الخارجة عن المألوف أصل الدراما ومحورها.
الخميس 2018/11/22
"يوميات زوجة مفروسة" عالج بعض القضايا الحارقة

لم تعد الدراما المصرية تدرج القضايا الاجتماعية الساخنة ضمن أولوياتها، إلاّ قليلا، وتقتصر على قوالب محددة تنصّب على مشاهد القوة والعنف والخلافات الزوجية التقليدية، وتجاهل الكثير من الكتاب رصد طبيعة العلاقة المعقدة بين الرجل والمرأة في الفترة الحالية، والتي تأثرت بتطورات العصر وتشابكاته الثقافية والاجتماعية.

القاهرة - رغم الضجة التي صاحبت مسلسل مثل “سابع جار” بسبب جرأته في تناول الكثير من القضايا الاجتماعية، غير أن الأعمال الأخرى التي جرى إنتاجها بعده لم تقتد به، ولا تزال تكرر الثيمة القديمة، وتصر على تجاهل بعض الموضوعات المتجددة والمهمة، وإن تطرقت لها تصمم على معالجتها برؤى قديمة، ما يفقدها البريق والجاذبية الدرامية.

ويقدم صناع “سابع جار” جزءا ثانيا من المسلسل، للاستفادة من الزخم الذي أحدثه في الشارع المصري، لكن يبدو أن التغيير على هذا المستوى يرتبط بفكر المؤلف وقناعة المخرج وإقدام المنتج، أكثر من ارتباطه بتغيير في أنماط التفكير حيال العلاقة بين الرجل والمرأة، وعدم الحرص على موازاة التحولات في القوالب الاجتماعية، وهو ما يكشف حجم الوعي العام.

هو وهي

قدمت الدراما المصرية بعض الأعمال التي رصدت علاقة الرجل والمرأة في أكثر من قالب، بدأت مع مسلسل “هو وهي” الذي لعب بطولته الراحلان أحمد زكي وسعاد حسني، وقدم في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وكان العمل الأول الذي ظهر معه شكل دراما الحلقات المنفصلة في تناول لشكل العلاقة بين الطرفين، وسط ما شهدته تلك المرحلة الزمنية من تغيرات اجتماعية، كان عرض المسلسل وقتها جريئا ومثيرا.

ولا يزال هذا العمل الذي كتبه الشاعر الراحل صلاح جاهين، النموذج الأهم الذي تناول علاقة الرجل والمرأة باقتحامه موضوعات خارج القوالب الدرامية المعتادة في ذلك الوقت، الذي كانت حقوق المرأة فيه لا تزال منقوصة، ونجحت بعض الحلقات في معالجة هذه النظرة مثل حلقة “المُدرسة” التي قامت بتغيير ثقافة زميلها المتعصب تجاه بني جنسها.

الأعمال المقدمة في رمضان كل عام، تغفل بقوة علاقة الرجل بالمرأة، حيث بات اهتمام المؤلفين منصبا على قضايا الجريمة

وظهر نوع جديد من مسلسلات الحلقات المنفصلة تناول العلاقة بين الرجل والمرأة أيضا وهو مسلسل “اللقاء الثاني”، بطولة الفنانة بوسي ومحمود يس، واختار محور “الرومانسية” كموضوع رئيسي لأحداثه التي تناولت فكرة اللقاء الثاني بين الطرفين، في شخصيات متنوعة، تراوحت بين الأخت والصديقة والحبيبة.

وبمرور السنوات بدأت دراما الحلقات المنفصلة تفرز نوعا جديدا في التناول من ناحية طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، من بينها مسلسل “غاضبون وغاضبات” الذي لعب بطولته الفنان شريف منير والفنانة شيرين سيف النصر، وانصّب محور اهتمامه على العلاقة بينهما، في مرحلة الشباب والمشاكل العاطفية والأزمات المادية، وعلاقة العمل، أكثر من الاهتمام بطابع الحياة الزوجية وتفاصيل مشكلاتها.

جاء مسلسل “حكايات زوج معاصر” للفنان أشرف عبدالباقي، وتناول طبيعة العلاقة بين الزوجين، وسط متغيرات اجتماعية حملت بعض الملامح العصرية، التي شهدتها هذه الفترة، بين زوج يقدس الحياة العائلية وهوايته الأساسية “الطهي” ويعاني مع زوجته العملية التي تزعجها هذه التفاصيل، أو آخر يقع في مأزق التكنولوجيا التي تنصب له فخا بوضع صورته بجوار فتاة أخرى غير خطيبته، وغيرها من الأفكار التي ربما تواءمت مع متطلبات تلك الفترة الزمنية، لكنها الآن لم تعد جذابة.

بين الكوميديا والدراما

يبدو أن قلة من الكتاب أصبحوا أكثر وعيا بتناول شكل العلاقة بين الرجل والمرأة في هذا القالب الدرامي (الحلقات المنفصلة)، فبعد أن كان الرجل محور الحدث والحبكة الدرامية بمساندة المرأة، وبدا من عنوانها التصاقها بتلك النظرة، ظهرت دراما الحلقات المنفصلة التي تتناول هذه العلاقة من منظور المرأة كما في “يوميات زوجة مفروسة” و”هربانة منها” و”نصيبي وقسمتك 2”، وتتناول أزمات المرأة مع الجنس الآخر بين قوالب كوميدية ودرامية.

ورغم هذه المحاولات التي رصدت العلاقة بين الزوجين في صور وأشكال مختلفة، إلاّ أن عددا من النقاد يعتبرونها “منقوصة ولا تعبر عن واقع أزمات الرجل والمرأة”.

يقول السيناريست مجدي صابر، إن نموذج الأعمال التي تتناول هذه العلاقة في قالب كوميدي لا يمكن الحصول منها على نتائج جيدة، لأنها تقدم بغرض الضحك الذي يحمل مبالغة شديدة في تناول بعض الأفكار.

ماجدة خيرالله: "يوميات زوجة مفروسة" نجح، لأنه ناقش أزمة المرأة في منتصف العمر
ماجدة خيرالله: "يوميات زوجة مفروسة" نجح، لأنه ناقش أزمة المرأة في منتصف العمر

ويشير لـ”العرب”، إلى الفقر الشديد الذي تعاني منه الدراما المصرية في تقديم هذا النوع (دراما العلاقة الزوجية) وتجاهل ما يتعرض له المجتمع من تغييرات على مستوى العلاقات الإنسانية ودخول التكنولوجيا، التي غيّرت شكل الحياة تماما وجعلت التواصل بين الناس عن قرب شكليا، وهو في حقيقته يحمل غربة وفجوة كبيرة.

ويضيف أن الأعمال الكثيرة التي تقدم في رمضان كل عام، تغفل بقوة هذا الجانب العائلي والحياتي، وأن اهتمام المؤلفين بات منصبا على قضايا الجريمة، في حين أن موضوع علاقة الرجل والمرأة هو أصل الدراما ومحورها، وفي حالة تزايد الاهتمام بهذا المحور سيكون هناك قدر كبير من النضج الفني لدى الكتاب، نظرا لمساحة التحرر التي أصبحوا ينعمون بها حاليا والتي سيطرت على الحياة الاجتماعية مؤخرا.

كما أن هذه الأعمال تقدمها جهات خاصة وليست حكومية، ما يسمح بفرض المزيد من الحريات في تناول الأفكار المقدمة، لأن هذه الكيانات لا توجد لديها معايير أخلاقية تلتزم بها، مثل الجهات الحكومية التي تضع شروطا ومحددات بعينها، علاوة على أن الكثير من المؤلفين الجدد أصبحوا يمتلكون شجاعة في التناول والطرح الجريء للأفكار.

وترى الناقدة ماجدة خيرالله، أن دراما الحلقات المنفصلة التي تتناول طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة تقدم بغرض تجاري من خلال المط والتطويل الذي تعرضه بعض الحكايات ضاربة المثل بمسلسل “نصيبي وقسمتك 2”، الذي يفتقد المتعة المطلوبة، ولم يستثمر حيوية أبطاله، وقدرتهم على تجسيد أدوارهم ببراعة.

وتوضح خيرالله لـ”العرب” أن مسلسل “يوميات زوجة مفروسة” مثلا ينتمي إلى نوعية الدراما المتصلة المنفصلة في موضوعاتها، ويحمل طابعا كوميديا، لكنه يعد من الأعمال الجادة، لأنه يناقش أزمة المرأة في منتصف العمر، والمشكلات والخلافات التي تحدث بينها وبين زوجها.

ويبدو أن الجرأة سوف تظل من العوائق الكبيرة في تناول قضايا دراما الأزواج، ليس فقط من جانب صناعها، لكن من منظور المجتمع الذي لا يقبل هذا الطرح في التناول ويرفض تصديق الواقع من حوله، وخير دليل على ذلك ما حدث خلال عرض المسلسل المصري “سابع ج1ار” الذي أثار موجة كبيرة من الانتقادات.

وبدا كل فرد من مشاهدي هذا العمل يضع أحكاما واعتراضات من منظوره الشخصي، مع أن العمل بالأساس كان يستعرض نماذج حية من المجتمع، لذلك يبقى هذا النوع من دراما العلاقات الزوجية منقوصا، ما لم يتطرق إلى الموضوعات بجرأة تناسب مقتضيات العصر.

16