دراما السحر والدجل تكشف رواج التجهيل في المجتمعات العربية

في قضايا السحر والجن والعفاريت تختلف المعالجات بين الدراما التلفزيونية والسينما، وإذا كان أغلب الأعمال الدرامية قد تم تقديمه في إطار الحفاظ على الثوابت الدينية والعرفية وأخلاقيات المجتمع، إلا أن البعض منها لم يرتفع إلى المستوى المطلوب وأثار انتقادات عديدة.
الخميس 2016/10/20
منطقة مغرية للدراما التلفزيونية

يصر صانعو دراما الجن والعفاريت على القول دائما إنهم يسعون إلى التركيز على كشف جهل البعض من شرائح المجتمع، لتنبيه العقل وإيقاظ الوعي، وإلى جانب ذلك، فإن هذه الدراما تتخفى وراء موضوع “السحر” لتقدم مضامين سياسية وإسقاطات لن تخفى على إدراك المشاهد.

ويلاحظ أن السينما ابتعدت بشكل كبير عن تقديم هذه النوعية من المواضيع في أفلامها، منذ عقد التسعينات من القرن الماضي، واكتفت فقط بإنتاج البعض القليل من أفلام “الرعب”، لكن على العكس ظلت قضية السحر والجن والأرواح الخفية منطقة مغرية للدراما التلفزيونية دفعت صناعها للاشتغال عليها، وخلقت أحداثا مثيرة على مدار حلقات زمنية طويلة.

تحضير وتسخير

في السنوات الأخيرة، التي أعقبت ثورة يناير في مصر، ظهر الكثير من الأعمال الدرامية، التي ناقشت قضايا السحر والجن بصور مختلفة، وآخرها ما يعرض حاليا بعنوان “الكبريت الأحمر”، وهو المسلسل الذي استغل أحد الحوادث الشهيرة في مصر في الفترة الماضية، من حيث وجود قرية، قيل إنها تشتعل فيها المنازل من حين لآخر دون سبب معروف، ليصيغ منها أحداثه التي تسير في أجواء تحمل الغموض والإثارة.

المسلسل من كتابة عصام الشمّاع، وبطولة أحمد السعدني وداليا مصطفى وعبدالعزيز مخيون وهاني عادل، ومن إخراج سيف يوسف، وكان من المقرر إتمامه ليعرض في رمضان الماضي، إلاّ أن ظروفا إنتاجية أخّرت إعداده.

واتخذ الشمّاع مؤلف “الكبريت الأحمر” من منطقة “الحنفية”، وهي إحدى المناطق العشوائية الموجودة على هامش القاهرة مكانا لأحداثه، التي عبّرت عن مدى الجهل الذي يعيش فيه أبناء هذه الطبقة، عبر لجوئهم إلى الدجالين من أجل صرف أرواح الجن، معتقدين أن تلك الأرواح هي التي تنتقم منهم، فتقوم بإحراق منازلهم.

ولعل أهم ما احتواه المسلسل، تقديم نماذج اجتماعية مختلفة ومستويات من التفكير والوعي، تتدرج بين الجهل التام والثقافة الراقية، حيث حرص المؤلف على طرح نوعيات متضاربة لأبطال المسلسل، ومدى قناعتهم أو رفضهم لألاعيب هؤلاء الدجالين، خصوصا من أصحاب الطبقات الراقية (الأرستقراطية).

وكان من اللافت تقديم المؤلف لشخصية رجل الشرطة، هلالي (الذي يقوم بدوره الفنان الشاب محمد السيد)، ويقضي أوقاته في القراءة عن مثل هذه المواضيع ويستقي علمه من الدجال “شمس”، وهو الاسم الذي يحمل دلالة رمزية، تشير إلى عنوان الكتاب الشهير “شمس المعارف الكبرى”، لكاتبه أحمد بن علي البوني، والذي يناقش مواضيع تتعلق بالجن والسحر، وهو كتاب ممنوع في الكثير من الدول الإسلامية، لما فيه من نصوص محرّمة عن فكرة تحضير الجن.

ويتخلل أحداث العمل، البعض من المشاهد، التي يقوم فيها الدجال “شمس”، بكتابة البعض من الحروف في شكل هندسي حسابي، في إشارة أيضا إلى الدعوة “البرهانية” الروحانية، التي يستخدمها البعض في تحضير وتسخير الجن، كل ذلك لإظهار مدى الجهل الذي سيطر على أشخاص بعينهم، يسعون إلى إرهاب وتخويف الآخرين بما امتلكوه من علم.

وبالعودة إلى نمط هذه الأنواع الدرامية، على مدار السنوات السابقة، فإننا سنجد في ثناياها، تفنيدا للأوضاع المجتمعية والسياسية في مصر، فمثلا في مسلسل “العهد”، الذي قُدّم قبل عام، بطولة غادة عادل وكندة علوش وصبري فواز، ناقش مؤلفه محمد أمين راضي قضية “السحر” باللجوء إلى إسقاطات سياسية عن الصراع على السلطة بين ثلاثة أطراف، وبالطبع اخترع المؤلف أسماء للأماكن والأشخاص من وحي خياله.

وقبلها في مسلسل “نيران صديقة” لنفس المؤلف، تم تقديم الكثير من الإسقاطات الاجتماعية والسياسية في حقبتي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، متسترا خلف “لعبة سحرية” استغرقت شخوص المسلسل.

وهناك أيضا مسلسل “ساحرة الجنوب” بجزأيه الأول والثاني، الذي تسبب في إصدار فتوى دينية بمنع المسلسل، ما أدى إلى وقف تصوير جزأيه الثالث والرابع.

"الكبريت الأحمر" استعرض علاقة الإنس بالجن، عبر أسلوب ابتعد عن الانتصار لثقافة الشعوذة والغرق في الغيبيات

اجتماعي سياسي

الأعمال التلفزيونية التي ناقشت قضايا السحر والجن، أثارت جدلا كبيرا في الفترة الأخيرة، ورغم كونها في حقيقة الأمر تعرّي الفوارق الاجتماعية والثقافية الهائلة في المجتمع، إلاّ أن الإسقاطات السياسية فيها خلقت لصناعها أزمات وحرجا مع السلطة.

ويردد منتقدو هذا النوع من المسلسلات دائما أن هذه الأعمال تحرّض على تعميم ثقافة الشعوذة بين الناس، رغم أن تاريخ السينما المصرية قديما مكتظ بالكثير من هذه الأعمال.

والمتابع للفضائيات العربية هذه الأيام، سيلحظ كثافة غير مسبوقة لبرامج تحضير الأرواح، واستخراج الجن من أجساد النساء والأطفال وسط الظلام، والحرائق التي تشغلها العفاريت بالمنازل، واستخدام جثث الموتى للبحث عن الآثار المخبوءة، وبلغ الأمر حد الترويج لضرورة قتل الأحياء، سعيا إلى رش دمائهم لفك طلاسم كنوز الأموات.

ورأى مراقبون أن هذه المبالغات توضح مدى التردي والتراجع اللذين أصابا العقل العربي في السنوات الأخيرة، ولا يستثنون من ذلك فتاوى التحريم الدينية الصادرة مؤخرا، والتي تناولت مواضيع هامشية لا تنتمي إلى صحيح الدين في شيء.

ومع ذلك، فربما ما يبرر نجاح مسلسل “الكبريت الأحمر” في جذب نسبة مشاهدة مرتفعة، أنه استعرض وجهات النظر المختلفة، بالنسبة إلى علاقة الإنس بالجن، عبر أسلوب ابتعد عن الانتصار لثقافة الشعوذة والغرق في الغيبيات.

ونوّه الفنان عبدالعزيز مخيون، الذي يجسد دور الدجال شمس″ في المسلسل، إلى أن الشخصية التي يؤديها تحمل بناء دراميا جيدا من حيث أنه رجل يتمتع بالذكاء الخارق، والقوة التي تمكنه من الإقدام على ما يفعله. وأكد مخيون لـ”العرب” أن مسلسل “الكبريت الأحمر”، يقدم ظواهر حقيقية في المجتمع، خصوصا وأن مؤلفه عصام الشماع طبيب متخصص في علم النفس بالأساس.

وأشار مخيون إلى أن الأحداث الدرامية تغطي مساحة لمعرفة أسرار عالم ما وراء الغيب، بشكل علمي مدروس وليس مجرد تناول عشوائي سوقي أو تجاري. وحول العلاقة التي تتناولها أحداث المسلسل بين الدجالين وأصحاب الطبقات

الاجتماعية المختلفة، وعلى رأسهم طبقة “الأرستقراطيين”، أوضح مخيون لـ”العرب” أن فشل أبناء تلك الطبقات في إيجاد حلول لمشكلاتهم على أرض الواقع، هو ما يدفعهم في الكثير من الأحيان للجوء إلى إيجاد طريق بديل بحثا عن الطمأنينة المفقودة والراحة النفسية، ومن تلك البدائل الهرولة للمشعوذين والدجالين.

وأشارت الناقدة السينمائية ماجدة خيرالله لـ”العرب”، إلى أن مسلسل “الكبريت الأحمر” يعد مدخلا جيدا لمناقشة أسباب تفشي الجهل في المجتمع، بالإضافة إلى مناقشة عدد من المواضيع السياسية أيضا. وقالت إن المؤلف اختار هذه الطريقة في المعالجة كي يثير الانتباه من خلال تقديم إطار مشوّق مملوء بالإثارة، وذلك للفت الانتباه إلى المعاني التي يريد إيصالها للمشاهد.

وأكدت أنها، وهي تشاهد المسلسل، لم تشعر بأن المؤلف أراد تقديم أحداث أو اتجاهات محرّضة للمشاهد، وشددت على أنه لا يجوز أن تكون هناك محظورات تمتنع الدراما عن مناقشتها، لأن الخطر الناتج عن عدم المناقشة أفدح على الإنسان العربي من المناقشة، بحثا عن تقديم الحلول.

وأوضحت خيرالله أن ما يثار حول المصادرة والمنع والتحريم، كما حدث في مسلسل “ساحرة الجنوب”، ما هو إلاّ دليل آخر على مدى ما وصل إليه المجتمع العربي من ترد وتخلف تحت ضغط عوامل عديدة، منها الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي بل والديني أيضا.

16