دراما المسكوت عنه في السينما الإسرائيلية

الأحد 2015/09/13
"محاكمة فيفيان أمسالم" يفتح ملف الأحوال الشخصية في إسرائيل

يتركز اهتمام النقد العربي بالسينما الإسرائيلية عادة، على الأفلام التي تتناول الصراع العربي الإسرائيلي، لكن في السينما الإسرائيلية الكثير من الأفلام الأخرى التي قد لا تتناول الصراع بشكل مباشر لكنها تكشف الطبيعة العنصرية للمجتمع الإسرائيلي، وتفضح التناقض بين الصورة الظاهرية العلمانية الحديثة، والجوهر الديني المتشدد الذي يصل في تزمته وجموده إلى قمع المرأة والشطب على وجودها وحرمانها من حقوقها الأساسية طالما ظل المجتمع الإسرائيلي المدني خاضعا للسلطة الدينية وتعاليم اليهودية المتشددة في كل ما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية.

مقدس

يصور المخرج عاموس غيتاي في فيلمه “قادوش” (أو مقدس) العلاقات الزوجية داخل مجتمع اليهود المتشددين، بين رجل وزوجته هما مائير ورفقة، وهما ينتميان إلى أسرتين من اليهود المتشددين. مائير من طلاب الدين اليهودي، وهو يقيم مع زوجته في الحي الخاص باليهود المتشددين في مدينة القدس، في عزلة عن كل مظاهر الحياة الحديثة، حيث يحظر استخدام الراديو والتلفزيون وسماع الموسيقى والذهاب إلى دور السينما، وغير ذلك. ورغم أن العلاقة بين الزوجين ملؤها الحب والتقدير، إلا أن عدم إنجاب الزوجة منذ زواجها قبل عشر سنوات، يظلل تلك العلاقة بالمشاكل.

فطبقا للأعراف اليهودية تعتبر المرأة العاقر “كيانا ميتا”، ومائير يتعرض من جانب والده الحاخام إلى كثير من الضغوط لتطليق زوجته والزواج من أخرى يمكنها الإنجاب، وتتردد رفقة على عيادة طبية لتكتشف أن العقم من طرف زوجها، لكنها تخفي الأمر عليه حفاظا على مشاعره، وفي الوقت نفسه ترتبط شقيقة رفقة، “مالكة” بعلاقة حب مع شاب كان قد تمرد على مجتمع اليهود المتشددين وخرج عنه، لكن أهلها يرغمونها على الزواج من طالب دين آخر هو “يوسف”. لا تتمكن مالكة من الاستمرار في زواجها بيوسف الذي يسيء معاملتها وينتهك كرامتها، فتخونه مع حبيبها الأول انتقاما منه، أما مائير فيرضخ للضغوط ويطلق رفقة رغم حبه لها.

كان موضوع العلاقات الزوجية في مجتمع يهود إسرائيل المتشددين من المواضيع المسكوت عنها في السينما الإسرائيلية، إلى أن فتح عاموس غيتاي هذا الملف الشائك بجرأة شديدة في فيلمه هذا الذي يتضمن للمرة الأولى، الكثير من المشاهد التي تصور العلاقة الجسدية في الفراش بين مائير ورفقة، مقارنة بما يدور بين يوسف ورفقة.

وكان هذا الفيلم سببا مباشرا في ظهور فيلم “أوشبيزن” (أو “الضيوف”) الذي يصور علاقة حب بين زوجين من اليهود المتشددين، يعيشان معا منذ 5 سنوات دون إنجاب، على حافة الفاقة والفقر. لكن الزوج موشي الذي يعجز عن الوفاء بما تفرضه عليه التعاليم اليهودية من إقامة ما يسمى بـ”السقيفة” التي يستضيف فيها الضيوف ويكرمهم ويغدق عليهم تقربا إلى لله في تلك المناسبة اليهودية، يتفرد بنفسه، يناجي الرب أن ينقذه من وهدة الفقر والعوز، فتتحقق المعجزة، ليس فقط عندما يأتيه مبلغ مالي كبير على سبيل التبرع، بل وعندما يوفق لشراء ليمونة بمبلغ يعتبره كبيرا يقال له إن فيها سر خطير، فهي يمكن أن تسبب خصوبة امرأته العاقر، وهو ما يتحقق بالفعل في النهاية. وفي الفيلم الكثير من المقارنات المباشرة بين روحانية اليهود المتشددين، وبوهيمية اليهود العلمانيين الذين يصورهم في صورة الخارجين على القانون، الذين يمارسون المتع المنحرفة الشاذة دون أي رادع، مقابل ما يتمتع به الطرف الآخر من تماسك وصبر على الشدائد وتضحية وكرم.

قضاة الأحول الشخصية من الحاخامات اليهود

املأ الفراغ

تدور أحداث فيلم “املأ الفراغ” (2012) للمخرجة راما بيرشتاين، في الحي الذي يقطنه اليهود المتشددون في تل أبيب، في أجواء شديدة التزمت دينيا وأخلاقيا، حيث نرى الرجال بملابسهم المميزة وسوالفهم الطويلة وقبعاتهم السوداء ولحاهم الكثيفة، والنساء بالباروكات المعروفة فوق رؤوسهن. ونحن أمام أٍسرة يهودية متشددة، نشأت على القيم الأصولية، ولكن الابنة “شيا” فتاة الثامنة عشرة أصبحت في عمر الزواج الآن، ويرغب أهلها في تزويجها إلى شاب من طلاب الدين، لكن شقيقتها المتزوجة تموت وهي تضع طفلها الأول، وتضغط عليها أسرتها لكي تتزوج زوج شقيقتها حتى تتولى تربية الطفل، حفيد العائلة الوحيد، وتحول بين سفر زوج أختها الراحلة إلى بلجيكا والزواج من أخرى وإهمال ولده. تقاوم “شيا” فكرة الزواج من زوج شقيقتها المتوفية وهو ما ترى أنه يتعارض مع أصول الشريعة اليهودية، لكن الفتوى الدينية التي تعلي من مصلحة الأسرة اليهودية على الشريعة، تنتصر في النهاية.

يمتلئ الفيلم بكل ما يمكن تخيله من مبالغات في مجال استعراض تقاليد الحياة في “الغيتو” اليهودي: الأناشيد، الاحتفالات الدينية، الأعياد، الزيجات، همسات أفراد العائلات حول الفتيات، الزيارات المتبادلة، القيل والقال، همسات الأمهات حول عنوسة الفتيات، إعداد الطعام على الطريقة اليهودية، الصلاة اليهودية، هدهدة الأطفال، وكل هذه المظاهر يتم تصويرها في إطار الاحتفاء بالظاهرة وفي عزلة تامة عما يحدث في الواقع الإسرائيلي خارج الغيتو. فالحي اليهودي هنا هو البديل الروحاني للعالم، والأسرة هي أصل المجتمع والحياة، والدين أساسي لضبط العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، والحب لا معنى له، وهدف الزواج هو الإنجاب لضمان استمرار الأسرة، والأم وظيفتها التضحية فهي أصل العائلة اليهودية.

محاكمة النظام القضائي

على صعيد نقد مجتمع التشدد الأصولي اليهودي، عرض في 2015 الفيلم التسجيلي الطويل “محاكمة فيفيان أمسالم” (2015) الذي اشترك في إخراجه شلومي ورونيت الكابيتز، وهما شقيقان سبق أن اشتركا في إخراج فيلمي “اتخذ لك زوجة” (2004)، و”7 أيام” (2008). وقامت رونيت الكابيتز ببطولة الأفلام الثلاثة، فهي أساسا ممثلة، سبق أن عرفناها من خلال الفيلم الإسرائيلي الشهير “زيارة الفرقة الموسيقية” (2007) الذي قامت فيه بدور صاحبة المقهى التي تستضيف أفراد الفرقة العسكرية الموسيقية المصرية. وينتمي الثنائي الكابيتز إلى أسرة من اليهود المغاربة المهاجرين. وفي الفيلم الجديد تقوم رونيت بدور “فيفيان” المتزوجة من “إليشا” وهو من اليهود المتشددين، وكلاهما من أصول مغربية، وحوار الفيلم خليط من العبرية والفرنسية والعربية باللهجة المغربية.

المرأة أدركت منذ وقت طويل أنه لا يمكنها العيش مع هذا الرجل الذي يسيء معاملتها ويقهرها ولا يستجيب لمطالبها البسيطة في توفير حياة بسيطة جميلة، فيها من المتعة بقدر ما فيها من المسؤوليات. وهي قد رفعت قضية أمام القضاء تطلب ببساطة، تطليقها منه. ولأنها تزوجت زواجا دينيا، يجب أن ينظر في قضيتها أمام قضاة من رجال الدين، أي الحاخامات الذين ينظرون إلى المرأة نظرة متعالية، في استنكار واستهجان، لكونها تطلب ما يعتبرونه “تدمير أسرة يهودية” أي فك عرى علاقة يرونها يجب أن تكون أبدية بين الزواج والزوجة، خاصة أن لديهما أطفالا، وطالما أنها لا تستطيع أن تثبت شيئا مما تدعيه على زوجها: ألا يطعمها؟ ألا ينفق عليها؟ ألا يمتنع عن الاعتداء الجسدي عليها؟ إذن فقضيتها تستغرق أمام تلك المحكمة، خمس سنوات، بين التأجيل، والتسويف، وتهرب الزوج من الحضور، وإصرار القضاة الذين يظهرون من البداية انحيازا واضحا إلى جانب الرجل، على ضرورة مثوله أمامهم لكنهم في الوقت نفسه يسوفون، وعندما يرضخ أخيرا ويحضر يؤجلون الدعوى، ويصرون على ضرورة حضور شهود، ويأتي الشهود، ويقوم محامي المرأة باستجوابهم وإحراجهم ونسف شهاداتهم التي تدربوا عليها مسبقا.

فيلم "الضيوف" كان هو الرد اليهودي على نقد الفكر المتشدد

نتابع هذه القضية بين فيفيان وإليشا، ونرى كيف يبذل المحامي كل ما يمكنه لإثبات حقها في الطلاق، ولكن محامي الزوج، وهو أيضا حاخام، يقوم بتفنيد دعاوى الزوجة بل إنه في مرحلة ما، يحاول أيضا تشويهها فيتهمها بإقامة علاقة عاطفية مع محاميها (العلماني). هذه التفاصيل نتابعها من خلال مشاهد متتابعة، تدور في معظمها، داخل حجرة المحكمة وهي حجرة صغيرة نسبيا، فيها منصة يجلس فوقها ثلاثة قضاة- حاخامات، ومقاعد مثل مقاعد التلاميذ في المدارس، حيث يجلس على اليمين الزوجة ومحاميها الذي يرفض ارتداء القلنسوة اليهودية، وعلى اليسار الزوج (مرتديا القلنسوة اليهودية) ومحاميه. وهناك في وسط تلك القاعة الصغيرة، منصة للشهود يتقدمون إليها واحدا إثر آخر، ثم يغادرون القاعة. ولا تغادر الكاميرا قاعة المحكمة إلى غرفة المكتب الملحقة بها إلا مرتين أو ثلاث مرات عندما تغادرها “فيفيان” أو عندما تحضر في جلسة تالية، بعد انقضاء أسابيع وأشهر.

يتغير القاضي الرئيسي، ولكن القاضي الجديد لا يمكنه سوى تأجيل القضية والتمسك بوجوب حضور الزوج وشهوده. والزوج بالطبع يسوف ويضيع الوقت، ويتعمد التغيب عن الحضور، وتصل الأمور إلى قدر كبير من العبث عندما تقف امرأة تشهد لصالح الزوجة قد تكون الوحيدة التي تقف في صفها، فتطالب المحكمة بتطليقها من هذا الرجل، وتصب جام غضبها على القانون والنظام والمحكمة والقضاة.

يأتي مشهد الذروة عندما يحضر الزوج أخيرا مع محاميه ويقول إنه وافق على منح زوجته الطلاق. وبمقتضى التقاليد الدينية، يتعين على الزوج أن يحمل ورقة الطلاق بعد أن يوقعها الاثنان، ويقوم القاضي بطيها ثم يسقطها في يدي الزوجة، هنا يتعين على الزوج أن يردد مرتين: “إنني أمنحك الطلاق وأسمح لك من الآن بحرية الزواج من رجل آخر”.. عند هذه النقطة تحديدا يرفض الزوج نطق هذه العبارة، مصرا على أنه يحب زوجته ولا يمكنه أن يتخلى عنها.

تشير التواريخ التي نطالعها على الشاشة، إلى مرور خمس سنوات من بداية القضية، وبعد مرور مزيد من الزمن، يوافق الزوج أخيرا على منح الطلاق شريطة أن تتعهد له الزوجة بعدم الارتباط برجل آخر.

المرأة كيان أدنى

ينجح المخرجان في التحدي الذي تفرضه محدودية المكان وطبيعة الفيلم وموضوعه، عن طريق التنويع الشديد في الزوايا وتحجيم اللقطات، والتحكم في الأداء التمثيلي بل وفي كل إشارة أو إيماءة أو حركة تصدر عن طرف من الأطراف داخل القاعة، ترصدها الكاميرا بطريقة تبدو غير ملحوظة، من خلال اللقطات المنعكسة، كما يكشف الفيلم في كل مشهد عن نقطة جديدة تثير اهتمام المتفرج، سواء ما يتعلق بشروط القانون اليهودي (الديني) الذي يطبق على قضايا الزواج في إسرائيل، أو ما تكشف عنه الديانة نفسها من خلال ما يتردد بشكل مباشر على لسان القضاة، من التلمود (غير مسموح للمرأة بقراءة التلمود) ومنها ما ينصّ على اعتبار المرأة كيانا أدنى، وأنه لكي يحدث الطلاق لا بدّ من موافقة الزوج.

إن كل لقطة داخل المشهد مدروسة ومتعمدة لكي تضيف شيئا، تكشف عن المشاعر: الإرهاق، التفكير، التأمل، السخرية، وأحيانا الانفجار في الضحك أيضا.

قصة الفيلم مأخوذة عن قضية حقيقية. ورغم طغيان الأسلوب المسرحي على الفيلم (المكان الثابت، الحوار، التمثيل) إلا أن ما يغري بالمتابعة، قدرة المخرجين على تطوير الحدث الواحد من خلال ما يكشف عنه الفيلم تدريجيا من أشياء تثير الدهشة والغضب أحيانا، بقدر ما تثير الضحك في أحيان أخرى، كما يساهم تنوع الشخصيات وطرافتها (خاصة الشهود)، والموقف العنيد الجامد للقضاة، في المحافظة على يقظة المتفرج وضمان استمرار متابعته للفيلم، خصوصا وأنه يوجه الكثير من الهجاء العنيف لمجتمع يبدو من ظاهر القشرة كمجتمع أوروبي حديث، بينما لا تزال تحكمه قوانين عتيقة تلغي حقوق المرأة وتبقيها خاضعة، مسلوبة الإرادة، مقهورة، تعيش تحت ظل الرجل.

16