دراما تحاول البحث في اختلاف حب العقول عن حب القلوب

"طاقة حب" مسلسل مصري يعيد إحياء الرومانسية الاجتماعية المفقودة.
الاثنين 2020/10/26
الحرمان العاطفي آفة تهدد العلاقات

تعتبر الأعمال الدرامية ذات المواضيع الرومانسية جذابة للجمهور، لكنها في الوقت نفسه إن لم تمتلك ما تغذي به حبكتها فستفقد بريقها وتصبح مملة. هي لعبة أتقنها المسلسل المصري “طاقة حب” الذي يثير تساؤلات حول العقلانية في الحب، واختلاف مقوماته بين الأجيال القديمة والحديثة، ويتطرق في الوقت ذاته إلى سيطرة المنفعة المالية على العلاقات الإنسانية.

يعتبر المسلسل المصري “طاقة حب” أن العواطف هي المشكلة الأساسية التي تواجه الأسر مهما كان مستواها المادي أو الاجتماعي، فدون تلك الطاقة الوجدانية التي تحتاج دائرتها إلى الاكتمال بمشاركة أطراف آخرين تتفكك العلاقات تحت وطأة الحرمان، ويتسرب البرود بين الآباء وأبنائهم، ومن المفترض أن تكون العلاقة منزهة عن المآرب.

يمثل العمل، الذي يتم عرضه بأسلوب المواسم بإجمالي 60 حلقة، جزءًا من اتجاه فني جديد يركز على الإنتاج الرومانسي الذي شهد تناقصًا في تقديمه على مدار السنوات الأخيرة لصالح الكوميديا والحركة، وقد يتم تعويضه ببث الدراما الأجنبية التي لا تتناسب مع طبيعة المجتمع المتحفظ، وتخلو من اهتماماته ومشكلاته المحلية.

أسئلة جدلية

يمتاز “طاقة حب” ببناء شبكة عنكبوتية من الخيوط الدرامية، تمضي كل منها في مسارات تجمع بين الاختلاف والتشابك في الوقت ذاته، تؤكد جميعها حاجة البشر إلى التقبل الاجتماعي والحب بمختلف أشكاله، بدءا من الطابع الوجودي المتمثل في الأبناء والآباء، مرورًا بالحب العذري المنزه عن المآرب، والجسدي الزائل بنهاية شهواته.

نجاح المسلسلات الرومانسية محكوم بتسريع وتيرة الأحداث بحبكات مشوقة حتى لا يتسرب الملل إلى المشاهدين
نجاح المسلسلات الرومانسية محكوم بتسريع وتيرة الأحداث بحبكات مشوقة حتى لا يتسرب الملل إلى المشاهدين

ويحاول مؤلف السيناريو أحمد صبحي تقديم بيان أخلاقي واضح يفيد بأن الثراء لا يحقق السعادة، ولا يضمن الاستقرار مهما كان فاحشًا، فلم يضمن لغالبية أبطاله، ومعظمهم من الأغنياء، زواجًا ناجحًا أو اندماجًا عاطفيًا، رغم إقامتهم في قصور رحبة بحدائق غناء، وتنقلاتهم بين أرقى الأماكن في العالم.

تعتبر علاقة “فؤاد” (الفنان أحمد صفوت) و”سلمى” (الفنانة رشا مهدي) الأكثر تعقيدًا في العمل، فالزوج اعتقد أن الحب هو توفير الحياة المرفهة لزوجته وتقديم الهدايا الثمينة لها في مناسباتها الخاصة، دون سد احتياجاتها العاطفية، لتبدأ حياتها بالتغير الكلي مع ظهور حب قديم في حياتها، وتبدأ في اضطرابات نفسية وصلت بها إلى درجة المرض النفسي والتفكير في الانفصال.

يجنح العمل إلى إثارة أسئلة جدلية مثل أيهما أفضل الحب المحتكم لحسابات العقل، أم القادم من شرايين القلب مباشرة دون تفكير؟ وكيف يمكن للإنسان أن يعشق امرأة ويتزوج بأخرى؟ وما رد فعل المجتمع تجاه العلاقات غير المتكافئة على المستوى العمري والاجتماعي؟ ولماذا سادت المادة والمصلحة القلوب ووأدتا المشاعر؟

تبدو “سلمى” نموذجًا للفتيات الحالمات بالرومانسية اللاتي يتبعن قلوبهن في كل شيء دون تفكير، وحينما يعانين من الحرمان تصبح الحياة بالنسبة إليهن سجنا كبيرا، يحاولن الهروب منه بطريقة طفولية لا تتعدى العيش في عالم من الخيالات، والتشتت الذهني المستمر، وصولاً إلى دائرة المرض النفسي الذي بلغته “سلمى” قبل أن تتجرأ على طلب الانفصال.

ويسوق العمل نموذجًا لعلاقة حب من طابع آخر تكسر التقاليد المعتادة حول الثراء بين “لاما” (يسرا اللوزي) ابنة الأثرياء التي تتسم بالعقلانية وتريد أن تشق طريقها في الحياة بمفردها دون مساعدة، وتتورط لا إراديًا في علاقة مع “أمير” (الفنان أحمد حاتم) الذي ينضم إلى الشركة التي تعمل فيها، ويظهر طموحًا نحو التقدم في سلكه الوظيفي، لتغيير واقع أسرته متوسطة الحال.

وتظهر فكرة المصلحة بقوة في علاقة “مروان” (الفنان محمود حجازي) بوالدته “سميرة” (الفنانة أنوشكا)، فالابن الذي لا يهتم بوالدته يسعى من وراء رابطة الدم إلى الظفر بأملاكها، ويحاول بكل الطرق نيل توكيل منها يمنحه التصرف في أموالها بتشجيع من خاله “صابر” (الفنان سامح الصريطي) الذي يدير الشركة التي تساهم فيها شقيقته بنحو 45 في المئة من رأس مالها.

يعتبر المسلسل أن الحرمان العاطفي هو الآفة الأولى التي تهدد العلاقات الأسرية والزوجية، فهو السبب في تأزم علاقة “صفوت وسلمى” وكان الدافع وراء تعلق “سميرة” العجوز المتصابية التي ترتاد صالات اللياقة البدنية بمدربها الشاب الذي يناهز عمر ابنها ويطمع في ثروتها.

ويشير العمل إلى إشكالية غياب التفاهم بين الزوجين ممثلة في أسرة “أمير”، فالوالد الذي اختار زوجةً في سن صغيرة يلتزم الصمت دائمًا في أغلب الأوقات، ولم يحترم عقلها أو يظهر اهتمامًا رغم الحب الذي نشأ بينهما بحكم عشرة طويلة استمرت ثلاثين عامًا، وتسبب انفراده بكل القرارات الحياتية في تحول حياتهما إلى فصول من الشجار بعدما ترسخ في ذهن زوجته أنه يتعالى عليها وكان مجبورا على الزواج منها.

رومانسية مفرطة

تساؤلات عن العقلانية في الحب
تساؤلات عن العقلانية في الحب

اتسم أحمد حاتم بالاحترافية والتلقائية في التعبير عن مشاعره، ربما لاكتسابه خبرة في تلك النوعية من الأدوار، ونجاح تجربة أخيرة له لا تبتعد كثيرًا عن حقل الرومانسية الخصب في فيلم “قصة حب” الذي تم عرضه في دور السينما مؤخرا.

نجحت الفنانة جيهان خليل، أيضًا، في جذب الأنظار إليها بشخصية “ولاء” البراغماتية التي تعرف من أين تؤكل الكتف في علاقاتها بتقربها من خالتها الثرية حتى صارتا صديقتين مقربتين، وظفرت بالزواج من ابن خالتها رغم الخلاف الكبير في طبيعة تفكيرهما، لتصبح المتحكم الأول في أموال الشركة التي تعمل فيها.

أكمل المخرج الشاب أحمد يسري الأجواء الرومانسية بالأضواء الخافتة في المنازل، والشموع التي تضيء طاولات الطعام، وباقات الورود وقيمتها المعنوية في مواجهة الهدايا التقليدية مرتفعة الثمن التي تنتزع تأوهات صغار السن، وتداعب خيالات الكبار عن أجواء الماضي ببساطته وهدوئه.

اتسم المسلسل ببطء في الإيقاع، فالتدليل على تأزم نفسية “سلمى” تضمن مشهدا استغرق دقيقتين كاملتين بتوجهها من غرفة نومها إلى فناء المنزل، تخللها النزول من السرير وارتداؤها الحذاء وهبوط درجات السلم، ليلحق بها زوجها ويقفان دقائق صمت، قبل أن ينتهي المشهد بشعورها بالبرد ورغبتها في العودة إلى سريرها مجددًا.

يقول الناقد الفني إلهامي سمير، لـ”العرب”، إن نجاح المسلسلات الرومانسية محكوم بتسريع وتيرة الأحداث حتى لا يتسرب الملل إلى المشاهدين في الأعمال الطويلة مع تطعيمها بحبكات مشوقة تجذب المشاهد للأحداث التالية.

واتسم الحوار أحيانًا بالركاكة مع محاولة كاتب السيناريو التقرب من لغة الشارع، خاصة المشاهد التي تجمع الفنانة أنوشكا بجيهان خليل، وتضمنت تركيبات لغوية سوقية لا تناسب عمر الأخيرة.

يجسد العمل الصراع في مفهوم الحب بين الأجيال، فالكبار يرون أن الاختيار أهم من العشق، فلا مشاعر من أول نظرة، والإنسان عندهم مثل الملابس المعروضة في واجهة متجر قد يكون شكلها جميلاً، لكن حين اتخاذ قرار الشراء يتم انتقاء ما يتماشى مع الجسد ويناسبه ويجعله أجمل في عيون البشر، فالحب جزء من القصة وليس كلها.

وترى الأجيال الجديدة أن الحب سر “ديمومة” العلاقات، ودونه تنقطع لغة الحوار بين الزوجين ليسودها الخرس، ويعيش كل منهما في جزيرة منعزلة، يجمعها سقف واحد، ونظرات عيون متبادلة، لكن بين قلبيهما جبال من الجليد الباردة، التي لا تستطيع العشرة تذويبها مهما طالت وحتى لو أنجبا العديد من الأبناء.

ويقول سمير، إن الدراما تستهدف جمهورا معظمه من السيدات اللاتي يعشقن المضامين الرومانسية، وكن السبب في نجاح الأعمال التركية والهندية، لكن يفضل تقديمها ضمن قصة مرتبطة بالبيئة المحلية حتى لا تصبح تكرارًا للتجارب السابقة.

يؤكد العمل باستمرار أن الإنسان لا يجب أن يفقد بوصلة الأمل بفشله في علاقة زوجية؛ فعليه البدء من جديد وتلافي الأخطاء السابقة، بعلاقة مستجدة مثل التي بدأت بالشفقة والاهتمام وتطورت إلى الحب والزواج بين “صفوت” وطبيبته النفسية التي تتولى علاجه من أزمة نفسية اعترته بعد فشل زواجه الأول.

يتضمن أيضًا قصة نجاح إيجابية لبطله العصامي “أمير” الذي يحلم بالهجرة إلى الخارج ويتبع نصائح والده المثقف بعدم الهروب من مشكلاته، قبل أن يلتحق بوظيفة في شركة ضخمة، ويخوض معركة من أجل كشف مخالفات داخلها، لتكون ملهمة للكثير من الشباب الذين دائما يرون في السفر بابا
للهروب.

لم يكتف العمل بتقديم جرعات الحب فقط، إنما مزجها بقدر كبير من المأساة التي تتطلب قدرات تمثيلية خاصة تثير مشاعر المشاهد، مثل فقدان “لاما” جنينها على يد شقيقتها التي تعتريها الغيرة من ظفرها بثقة الأب، أو مرض “صفوت” النفسي ومعاناته، رغم إخلاصه في حبه، ليؤكد أن الحياة بطبيعتها “قاسية”.

14