دراما رمضان تتفنن لتسويق الشقاق العائلي

تبرير الانتقام والخيانة الزوجية والسرقة والإدمان يرهق الأولياء لإعادة تربية الأبناء في مصر.
الأربعاء 2020/05/13
انعكاس سلبي على الأسرة

يسعى الآباء جاهدين لتعليم أبنائهم لأنه ومهما كانت الخلافات بينهم فلا يمكن أن يصل الأمر حد القطيعة والانتقام، ثم تأتي الدراما لتعرض أعمالا مغايرة لهذا النمط التربوي، ما يعني إلغاء معايير الأسرة وفرض تقاليد جديدة ترتكز على العنف لإثبات الذات وتحصيل المال والتمرد على كل ما يجعل الأبناء مقيّدين بقاموس العائلة.

القاهرة - اضطر محمد هاني، وهو رب أسرة واستشاري في الطب النفسي، إلى منع أبنائه من مشاهدة الكثير من مسلسلات رمضان التي اكتشف أنها تكرس العنف الأسري وتتفنن في الشقاق العائلي والتركيز على مشاهد القتل والخيانة الزوجية والانتقام من أقرب الناس، وتبرير كل ذلك بدافع الظلم.

ووجد هاني أن التأثير السلبي لهذه المسلسلات سوف يفسد طريقة التربية التي يتبعها مع أولاده، فلا يمكن أن يعلّمهم أن الخيانة الزوجية ليس لها مبررات وأسهل طريق لهدم بنيان الأسرة، في حين أن بعض الأعمال الدرامية تلتمس العذر للخيانة، سواء كان مصدرها الرجال أو النساء، وتقدمها تحت مسمى الحب والحرمان العاطفي.

وقال الطبيب النفسي لـ”العرب”، إن أسوأ ما في هذه المسلسلات، من حيث الانعكاس السلبي على الأسرة وقيمها وأخلاقياتها، أنها تنقل الواقع بحذافيره دون معالجة درامية حكيمة لا تدفع المشاهد للاندماج معها، أو التأثر بمضمون رسالتها، أو التفكير في عدم محاكاتها على أرض الواقع، خاصة إذا كان يعيش نفس المشكلة في حياته الأسرية.

ولم يكن مألوفا أن يتناول أحد المسلسلات علاقة عاطفية بين زوجة وشقيق زوجها بذريعة أنه يهتم بها ويبادلها نفس الشعور لأن أخاه لا يجيد التعامل مع النساء، وهو ما جرى تناوله في مسلسل “البرنس” الذي يناقش قضية إصرار أب على كتابة كل ميراثه لأحد أبنائه، رافضا منح باقي الأولاد جزءا من التركة، ثم يموت ويترك صراعا محتدما داخل الأسرة.

صحيح أن الكثير من الآباء قد يكتبون ميراثهم لابن واحد يكون قريبا منهم وعطوفا عليهم مقابل جحود الآخرين، أيّ أن العمل الدرامي نقل صورة واقعية لقضية أسرية، لكن طريقة التناول والمعالجة أفرزت أزمات عصية على الحل، وأصبح مصدرا للنكد والبؤس العائلي.

ولجأ الأشقاء المحرومون من الميراث إلى قتل زوجة وابن شقيقهم، ولفقوا له تهمة قادته إلى السجن سبع سنوات، ما جعل المسلسل يُتهم بأنه يثير الضغائن والكراهية بين أفراد الأسرة، بل إن الحلقات التي تمت إذاعتها أقنعت المشاهد بأن الانتقام له مبرر، والخيانة الزوجية لها أسباب مقنعة، والقتل بصورة بشعة ربما يكون حلا لترهيب الظالم.

وتناول مسلسل “خيانة عهد” صورة مماثلة تقريبا، حيث كانت أم الفنانة يسرا تميزها عن باقي إخوتها، وتعاملهم بشكل سيء، وقام والدها بتمييزها ماديا عنهم، ما دفعهم للانتقام منها وتخريب حياتها بتعليم ابنها الوحيد كيف يكون مدمنا للمخدرات، ثم تقوم شقيقتها بقتله، لتحاول بعدها بطلة المسلسل رد الانتقام بنفس الطريقة وأكثر.

ولا يحتاج المشاهد إلى إرهاق نفسه عناء البحث عن عمل درامي يتناول ترابط أفراد الأسرة الواحدة، وإقامة العلاقة العائلية بينهم على أساس التراحم والمودة، لأنه لن يجد هذه النوعية من المسلسلات، بعدما ركزت الموضوعات المطروحة على قضايا يمكن اختصارها في العنف الأسري والبلطجة والفتونة وكسر هيبة القانون وإدمان المخدرات والسرقة.

الأطفال الذين يشاهدون الأعمال الفنية التي تدعو للانحراف والتمرد على تقاليد المجتمع يرهقون الأسرة في إعادة تربيتهم بطريقة سليمة

ولرب الأسرة أن يتخيل وهو جالس مع أولاده لمشاهدة مسلسل “100 وش”، ليكتشف أن حلقاته تدور حول ابتكار أبطال العمل طرقا جديدة للسرقة من أجل التربح، حيث يقومون بخداع المحيطين بهم لجمع المال بطريقة كوميدية ساخرة، تدفع بعض الصغار للتعاطف معهم أحيانا، والشغف ليكون منهم لصوص مثل أبطال العمل.

رأت أسماء عبدالعظيم، وهي باحثة اجتماعية واستشارية علاقات أسرية، أن أزمة دراما هذا العام تتمثل في أنها لم تبتكر في وضع حلول واقعية للأزمات الأسرية، بقدر تركيزها على الشقاق والمشاحنات وتعليم المشُاهد طرقا جديدة في الانتقام لأخذ الحق بذريعة الظلم، وهو ما يترك لدى أفراد الأسرة رسائل سلبية وسلوكيات خاطئة تصيبهم بالإحباط والكآبة.

وأضافت لـ”العرب”، أن كل الأسرة في غنى عن المزيد من التفكك، ما كان يفرض على مقدمي الأعمال الدرامية توصيل رسائل إيجابية تعلم المشاهد كيفية الصمود وسُبل الحل بإجراءات واقعية، وعدم تركه أسيرا للإحباط والتباعد والمشاعر السلبية، وتقديم العنف على أنه المنفذ الوحيد لتفريغ شحنات غضبه تجاه الفئات القريبة منه.

واعتاد الكثير من المؤلفين تبرير تركيزهم على العنف والشقاق الأسري، على أن الفن مرآة للواقع، لكن لا يكلفون أنفسهم عناء الابتكار والاجتهاد في نقله ومعالجته بشكل يساعد المتلقي على مواجهة الواقع بطريقة بعيدة عن العنف والانقسام والتشرد. وربما تكون مبرراتهم منطقية، لكن من غير المعقول رصد ما يجري بصورة حرفية تدفع بعض أفراد الأسرة من أصحاب النفوس القابلة للانحراف للقيام بمحاكاة المشاهد الدرامية، لأن بعض الأعمال تقوم بعمل ما يشبه “البرمجة” لذهن المتلقي وتوحي بأن القتل سهل، والخيانة أسهل.

وقالت الاستشارية الأسرية “لا يمكن أن تختفي طوال الحلقات مشاهد المودة والترابط والتراحم وتجاهل اعتبار الأسرة الملاذ الآمن لكل الأفراد، ثم نبرر ذلك بأن وعي الفرد هو الفيصل في رفض أو قبول الرسالة الدرامية.. ألا يُدرك القائمون على الدراما أن هناك ملايين من الأسر لم يتلق أفرادها تعليما حقيقيا، ونسب الأمية مرتفعة؟”.

يقود ذلك، إلى أنه لا توجد لدى أغلب الأسر معايير منطقية للفرز بين الخيال والحقيقة، ولا يدرك بعض الأفراد الحد الأدنى من فلسفة التفكير النقدي الذي يجعلهم يتعاملون مع المنتج الفني على أنه غير واقعي ويصعب تطبيقه، والأكثر خطورة أن فئة الأطفال يتلقون الرسالة الفنية بما تحمله من مشاهد عنف وخيانة وإدمان دون قدرة على الفرز.

ولا ينسى محمد هاني، استشاري الطب النفسي، مشهد ابنه وهو يستفسر منه عن كلمة “هيروين”، ويسأله عن سبب استنشاق طفل له بشراهة؟ وأكد لـ”العرب”، أن ابنه وغيره من الأطفال الذين يشاهدون مثل هذه الأعمال الفنية التي تربي الصغار على الانحراف والتمرد على تقاليد المجتمع، يرهقون الأسرة في إعادة تربية الأبناء بطريقة سليمة وعلاجهم من الآثار المدمرة للدراما.

21