دراما عربية مشتركة: ما فرقته السياسة توحده الكاميرا

الجمعة 2014/04/18
نجوم عربية في دراما موحدة كبديل عن كساد السوق الإنتاجي

أبوظبي - منذ سنوات ليست بالبعيدة، بدأت أشهر وأقوى الفضائيات العربية، في عرض مسلسلات تلفزيونية ببطولة مشتركة من معظم دول الوطن العربي، مثل سوريا ومصر ولبنان ودول الخليج، وبإمكانيات إنتاجية ضخمة جدا، لتبدأ ظاهرة جديدة من نوعها يمكننا أن نطلق عليها اسم “الدراما العربية”، يتم تقديمها للمشاهدين العرب، في كل مكان، جنبا إلى جنب، وربما بالتنافس مع “الدراما السورية”، “الدراما المصرية” و”الدراما الخليجية”.

من دون شك، لعبت الحرب في سوريا، دورا مهما في نشوء “الدراما العربية” وتنحي “الدراما السورية” التي كانت في فترة سابقة، هي الأكثر متابعة وشهرة. إذ نقلت معظم شركات الإنتاج أعمالها من الداخل السوري إلى بيروت والإمارات.

هذا التحول استدعى صيغة عمل مختلفة، تبتعد عن تلك التي كانت غارقة في تفاصيل المجتمع الواحد، تعرّي أخلاقياته الزائفة وتفضح حقيقة الشخصيات فيه، لترنو نحو قصص لها خصوصية الحالة الجديدة.


دعم خليجي إماراتي


تقدّم دول الخليج بدورها، وتحديدا الإمارات العربية المتحدة، ما فتئت تقدم الدعم الكافي لتشجيع صناعة “الدراما العربية”، فقد فتحت “twofour 54” استديوهاتها ومكاتبها أمام العديد من شركات الإنتاج العربية، هي في الغالب شركات سورية ومصرية لها مكانتها الكبيرة على السّاحة الفنية.

وقد أنتج هذا التعاون، مسلسلات تلفزيونية تدور معظم أحداثها، إن لم تكن كلّها، على أرض الإمارات، وتستوحي حكاياتها من طبيعة الحياة فيها، بما في ذلك التنوع الثقافي والخليط الإنساني العالمي.

هنا، يجب أخذ العنصر المادي بعين الاعتبار، هذا العنصر الّذي جعل شركات الإنتاج تنقل عملها وتجارتها إلى بلدان أخرى، تمثّل أرضية مناسبة لاستكمال أعمالها، بما يسمح لها بالاستمرارية الإنتاجية والوقوف من جديد على ساقيها، بعد أن كانت مهددة بالفعل، جرّاء الظروف الراهنة الّتي تشهدها سوريا على سبيل المثال.

مشاركة نجوم من كل الوطن العربي في مسلسلات درامية مشتركة، باتت تشكل ظاهرة فرضتها الظروف السياسية

ويشاركنا برأيه حول هذه الصناعة، الكاتب المسرحي والتلفزيوني السوري بلال شحادات، الّذي بيّن، حسب وجهة نظره، أنّ الدافع الأول لتنشيط ما صار يسمى بـ”الدراما العربية” هو دافع ربحي بحت، فلو أنّ الشركات لم تجد في هذه الأعمال مردودا يعوّض لها التكاليف الإنتاجية ويحقق لها المرابيح التي تنتظرها، لما كان هناك “دراما عربية”، ولاكتفت كلّ دولة بعرض الدراما الخاصّة بها، وانتظرت أرباحها من جمهور دولتها أو الجمهور الّذي يفهم لهجتها ويعرف ممثّليها المحليّين.

ويقول شحادات: “إجمالا، فإنّ المشروع الدرامي العربي من وجهة نظري، هو مشروع يسعى إلى ربح أكبر، ويكاد يخلو من أي هدف آخر. وأنا لا أرى أيّ عيب أو نقص في ذلك، لأنّه لولا الرّبح لما استمرّ وُجود الشركات، ولولا الربح لتّوقفت العديد من القنوات عن البثّ (عدا القنوات الحكومية أو القنوات الّتي تمول برؤوس أموال هائلة)”.

وأضاف “أنا أرى أنّ المهمة منوطة أساسا بعدم استسهال الكتّاب لعمليّة اختيار الحكايات كي تقترب قدر الإمكان من الشارع العربي، وبذلك تتحقق الغايتان؛ الربحية والفكرية على حدّ سواء. أمّا المخرج والممثّل المشهور، فلا تختلف مهمّتهما ولا تتغيّر بين الأعمال المحلية والعربية من حيث الأداء أو من حيث تلقّي النتائج”.

"توفر 45" تفتح أستوديوهاتها بأبوظبي للدراما العربية


ازدهار مرحلي

باعتباره فنّانا إماراتيّا، يشير حبيب غلوم العطار، إلى إيجابيات متعددة أفرزتها ظاهرة الدراما العربية المشتركة، يأتي في مقدمتها، أنّ الثقة بدولة الإمارات أصبحت كبيرة.

ويقول: “نحن نتشرف دائما بوجود المنتج العربي على أرض الإمارات”. إلاّ أنه يؤكد مدى أسفه، لأنّ هذا النشاط الإبداعي، يبدو آنيّا أو مرحليّا، ويرتبط ارتباطا وثيقا بما تعيشه الدول العربيّة المنتجة للدراما التلفزيونيّة مثل سوريا ومصر، من ظروف مأساوية قاسية، أدّت إلى توجه المنتجين نحو الإمارات، حيث يقول : “بطبيعة الحال، لم نكن نتمنّى كإماراتيّين أن يتّم بناء تطوّر الحركة الدرامية في بلدنا، بسبب وجود ظـروف سيئـــة تحيط ببعض البـلدان الأخرى”.

وكما ذكرنا سابقا، فإنّ السيناريوهات المناسبة لتلك الأعمال الدرامية المشتركة، لا تكترث بالمواضيع المهمة التي تؤرق مجتمعاتنا العربية، من المحيط إلى الخليج، إنّما هي عامّة في مُجملها، تقوم في معظمها على حبكة بوليسية مشوّقة، يمكنها أن تجذب أكبر شريحة من المشاهدين العرب، ولا تطرح إشكاليّات من شأنها أن تُثير حساسية أو غضب أيّ بلد عربي، وهي تسعى دائما لكي تناسب كل قنوات البث التلفزيوني، التي باتت اليوم تتسابق لتأمين عروض حصريّة لها.

لذا نلمس بعض النّزوع لدى القائمين على هذه الأعمال، للأخذ والاقتباس من قصص ومسلسلات وأفلام أجنبية، يتمّ إسقاط أحداثها على بلداننا، وتبتعد تماما عن الظروف الحقيقية السياسية والاقتصادية، المؤطرة لعلاقاتنا الاجتماعية.

كذلك ثمة الكثير من النقاط المشتركة بين الأعمال ذات الإنتاج العربي المشترك، منها التركيز على المظاهر الجمالية للعمل ككل، لمزيد من الجذب والمتابعة، كالتركيز على الجانب السياحي للفضاءات المكانية التي يتم التصوير فيها، وإظهار نمط حياة مادية مرفهة جدا، ينعكس على أبسط التفاصيل المكونة للأحداث الرئيسية، سواء في بيروت أو مصر أو الإمارات أو غيرها.

وهو ما فرضته الدراما التّركية المدبلجة التي اجتاحت فضائيّاتنا العربية بدءا من عام 2008 تقريبا، وما زالت مستمرة حتّى اليوم، تاركة آثارها على منهج صناعة الدراما العربية.

الإضاءة على العناصر الجمالية في كل عمل، تتضمّن تسليط الضوّء على المظهر الخارجي للنّجوم العرب، وتحديدا النجمات العربيّات. وهذا يعني مبالغة في مفهوم الأناقة والتّعامل مع الأزياء والإكسسوارات بالتعاون مع مصممين ومختصين، لإرضاء شغف الجمهور العربي، وخاصّة الخليجي المتطلع دوما نحو آخر صيحات الموضة العالميّة.

اليوم، كلّ ما نخشاه، أن تخلق ظاهرة الدراما العربية الجديدة، ثقافة فنية في المجتمع العربي، تعتمد في نجاحها وانتشارها على الاستهلاك والمظهر الخارجي، وتدير ظهرها لما نعيشه فعلا من قضايا مصيرية قاسية جدا.

17