دراما مصر 2017.. جرأة الأفكار بين خيبة وتألق

الثلاثاء 2017/12/26
"واحة الغروب" عزف عنه المشاهدون

القاهرة - الحدث الأكثر بروزا، والذي حققته الدراما المصرية في 2017 بعد قرار تحجيم سوق الشراء، يتمثل في الجرأة الكبيرة التي أضفيت عليها في مناقشتها لعدد من الموضوعات الشائكة.

ويأتي على رأس تلك الأعمال مسلسل “سابع جار” الذي يختتم العام، وسط حالة كبيرة من الجدل الذي رصدته مواقع التواصل الاجتماعي، وانقسم إلى فريقين، أحدهما يؤيد التناول المنطقي لطبيعة المجتمع المصري المستتر حاليا، وآخر يرفضه بشدة ويؤكد أنه بعيد عن الثقافة والعادات والتقاليد الحقيقية.

وبرغم الجرأة الشديدة التي تضمنها مسلسل “سابع جار”، إلاّ أنه كان كاشفا للعيوب الحقيقية التي يعانيها المجتمع المصري بتشرذمه داخل كل بيت من خلال العديد من الحكايات، والخداع الذي اتخذه صناع العمل في اسمه بالاعتقاد أنه مسلسل يعيد الحسابات في فكرة التعامل مع الجار، وهو أحد أهداف العمل بالفعل، لكنه كان الأكثر منطقية لمناقشة كل هذه المشاكل داخل عمارة سكنية وراء كل بيت فيها حكاية غريبة.

ومن أبرز القضايا التي أثارها مسلسل “سابع جار” فكرة الأم العزباء، حيث تفكّر إحدى الفتيات في الإنجاب عن طريق التلقيح الصناعي دون زواج، والصداقات المفتوحة في العلاقات بين الرجل والمرأة، وغيرها من الأفكار الغريبة على المجتمعات العربية.

وأثار مسلسل “هذا المساء” الذي عرض في رمضان الماضي الجدل أيضا، بعد أن ناقش تفاصيل خاصة في العلاقات الزوجية بشكل واقعي وجريء، بالإضافة إلى تعرضه لفكرة اختراق الخصوصية عبر أجهزة المحمول و”اللاب توب”، الأمر الذي دفع البعض إلى انتقاد العمل بسبب كونه لا يتناسب مع آداب الشهر الفضيل من وجهة نظرهم.

التجارب الدرامية في العام المنقضي تؤكد على التراجع الكبير في مستوى الكتابة الدرامية، والتي أصبحت تتعامل في سنواتها الأخيرة بمنطق الاستسهال بالاعتماد على نظام “ورش السيناريو”، والتي أصبحت الاستعانة بها مجرّد لحاق بالعرض الرمضاني وليس لتجديد وتنويع الأفكار المطروحة، كما كان يحدث في الماضي، فنظام الورش ليس بجديد على الساحة الفنية، لكنه اختفى لسنوات مع انتشار ظاهرة النجم الأوحد وظهور الكاتب الأوحد أيضا.

وظهرت الرداءة في مستوى الكتابة بوضوح هذا العام في معظم الأعمال الدرامية الكوميدية على وجه التحديد، خصوصا وأن عام 2017 الذي شارف على الانتهاء كان الأكبر في نسبة المسلسلات التي رفعت هذا الشعار، وكان من بينها “هربانة منها” للفنانة ياسمين عبدالعزيز، و”ريح المدام” للفنان أحمد فهمي وأكرم حسني، و”خلصانة بشياكة” للفنان أحمد مكي، و”لمعي القط” للفنان محمد عادل إمام، و”عفاريت عدلي علام” للنجم عادل إمام.

النقاد عابوا على "واحة الغروب" التزام صناعه بتفاصيل الرواية مبتعدين عن مقومات الدراما التي جعلته جامدا

وشهد مستوى الأعمال الدرامية المأخوذة عن روايات تراجعا واضحا، وأبرزها مسلسل “لا تطفئ الشمس” المأخوذ عن رواية الراحل إحسان عبدالقدوس، ومسلسل “واحة الغروب” للأديب بهاء طاهر، ولم ينالا استحسان النقاد والجمهور. وعاب النقاد على “واحة الغروب” التزام صناعه الكبير بتفاصيل الرواية مبتعدين عن مقومات الدراما التي جعلت العمل جامدا، وهو أحد أسباب عزوف المشاهدين عن متابعته.

أما مسلسل “لا تطفئ الشمس” فاختار كاتبه تامر حبيب الانتقال بزمن الرواية إلى العصر الحديث، ودخول الكثير من العلاقات الشاذة والخارجة عن المألوف بين أبطاله كان سببا آخر أيضا في عدم تقبل قطاع كبير من الجمهور له، ما أساء إلى الرواية والفيلم السينمائي الشهير الذي يعد واحدا من كلاسيكيات السينما المصرية.

وبرحيل الكاتب محفوظ عبدالرحمن عام 2017 بدت الأزمة واضحة في صناعة الدراما المصرية، صحيح أنه لم يكن كثير الحضور في السنوات الأخيرة بسبب تغيرات أوضاع السوق، إلاّ أن رحيل أسماء مثل عبدالرحمن وقبله أسامة أنور عكاشة ومحسن زايد، يمثل خسارة جسيمة، لأنهم كانوا يمثلون رمانة الميزان والمراجعة لمستوى الكتابة الدرامية.

وأثبتت تجربة المواسم الدرامية، بخلاف شهر رمضان، نجاحها الكبير هذا العام مع فتح قناة “دي أم سي” المصرية التي أخذت على عاتقها منذ انطلاقتها مطلع العام الحالي مهمة بث أعمال جديدة حصرية على شاشتها في دورة تتجدّد كل ثلاثة أشهر، وكانت من هذه الأعمال مسلسلات “اختيار إجباري”، و”ليلة”، و”حجر جهنم”، و”الطوفان”، و”عائلة زيزو”.

مع الانفتاح نحو الأسواق العربية وتقليل نفقات الإنتاج الدرامي من المرجح أن تكون تجربة المواسم هي الحل الأمثل لدى صناع الدراما خلال الفترات المقبلة، خصوصا في العام الجديد المرتقب الذي قد يجعل المنافسة في رمضان تتراجع قليلا في حال تداخل موعده مع بدء مباريات كأس العالم في يونيو المقبل، ما يجعل البعض يغير مساره في طرح مشروعاته الدرامية خلال هذا الموسم.

ورغم أن الخارطة الدرامية للعام الجديد ما زالت في مرحلة التحضير فإنه من المتوقع أن يشهد العام القادم عودة بعض الأسماء الكبيرة، وأبرزها الفنانة منى زكي، بينما أعلن آخرون تصدّروا المشهد الدرامي الأعوام السابقة غيابهم العام القادم، ومن هؤلاء الفنان يوسف الشريف ودنيا سمير غانم.

ومن العائدين في العام الجديد الفنانة المخضرمة سميرة أحمد بمسلسلها “بالحب هنعدي” وذلك بعد غياب نحو 10 سنوات عن العمل الدرامي، وتتعاون فيه مع الكاتب يوسف معاطي الذي يغيب عن التعاون مع الفنان عادل إمام أيضا هذا العام، بعد سنوات طويلة من العمل التلفزيوني سويا، كما يعود الفنان يحيى الفخراني بعد غيابه العام الماضي بمسلسل “بالحجم العائلي” صحبة الفنانة ميرفت أمين.

وأعلن الفنان محمد هنيدي شروعه في تصوير مسلسل “أخلاق للبيع” المأخوذ عن رواية “أرض النفاق” للأديب إحسان عبدالقدوس، وسبق تقديمها في فيلم سينمائي بالعنوان نفسه من بطولة الراحل فؤاد المهندس.

وينتظر عشاق الروايات تحويل رواية “أبوعمر المصري” للكاتب عزالدين فشير إلى مسلسل من بطولة أحمد عز، وهو ما يؤكد أن هناك تنوعا في الإنتاج فرضته طبيعة السوق الجديدة، وتغيّر الموازين.

16