درة تنتقد ظاهرة الزواج بالمراسلة في حكاية "غالية"

خماسية مصرية تنجح في معالجة قضية حارقة وتسقط في التفاصيل.
الجمعة 2021/09/17
علاقة عاطفية غير مكتملة

تعدّ درة من أهم التونسيات اللاّتي أثبتن جدارتهنّ سريعا في الفن المصري، وهي لا تقل موهبة وحضورا عن مواطنتها هند صبري التي سبقتها في الالتحاق بالسينما والدراما. ولم تلعب درة تقريبا أدوارا ثانوية في غالبية الأعمال التي شاركت فيها منذ قرارها العمل والاستقرار في القاهرة، وباتت الأدوار التي تشارك فيها لا تقل عن البطولة المطلقة، وهي مسؤولية نجحت فيها من خلال حكاية “غالية” ضمن مسلسل “زي القمر”.

القاهرة - قدّمت الفنانة التونسية درة في حكاية “غالية” ضمن مسلسل “زي القمر” الذي عرض قبل أيام على قناة “سي.بي.سي” المصرية واحدا من أدوارها المهمة في الدراما المصرية؛ حيث جسّدت دور فتاة عزفت عن الزواج بعد اضطرارها إلى إجراء عملية جراحية لإزالة الرحم وعدم قدرتها على الحمل بعد ذلك، إلى أن عرضت عليها أسرتها فكرة الزواج من شاب مصري يقيم ويعمل في الكويت في وظيفة مرموقة ولا يهمه الإنجاب.

إلى هنا يبدو الأمر عاديا ويعزف على بعض أوجاع المجتمع ومراراته التقليدية، إذ التقت رغبة الطرفين في الزواج، وما لم يكن عاديا أن يتمّ الزواج عبر توكيل منحه الزوج لصديقه كي يمكنه من عقد القران نيابة عنه، وهي المشكلة التي تحدث في الواقع المصري وتفتح الباب لمشكلات عديدة، ففي ظل وجود ظروف تحول دون عودة الزوج المنتظر إلى بلده يتم اللجوء أحيانا إلى هذا الخيار.

 

تسليط الضوء على أوجاع المجتمع

عزف على الأوجاع

المشكلة في هذا الخيار أنه لا يمنح كل طرف فرصة للتعرّف على الآخر والتي كان يجب التركيز عليها في العمل لأنها جوهر الأزمة التي تتولّد عنها الأزمات اللاحقة. المهم أن “غالية” التي جسّدتها درة قرّرت رفض فرض الأمر الواقع عليها.

وتطوّر البعد الدرامي مع اكتشاف أن عريسها (أدّى دوره فراس سعيد) له زوجة تقيم معه في الكويت لكنهما منفصلان، ولجأ إلى التحجّج بمرضه بسبب كسر ساقه لتبرير عدم حضوره عقد القران بنفسه، وفوّض صديقه (قام بدوره الفنان مكرم مراد) بدلا منه لإتمام إجراءات الزواج.

حاك الزوج مع زوج شقيقة غالية (قام بدوره الفنان هشام إسماعيل) مؤامرة لإجبارها على عدم التراجع أو طلب الطلاق عندما تكتشف الحقيقة، وجرى وضع مبلغ مالي كبير في قسيمة الزواج كمقدّم صداق للتعجيز، وبالفعل عندما اكتشفت غالية الأمر وبدت انفعالاتها متوافقة مع الموقف الخادع حاول الزوج ابتزازها حتى حصلت على الطلاق منه وتركت نهاية الحكاية التي تكوّنت من خمس حلقات مفتوحة.

تعمّد طاقم العمل -وهو من تأليف أحمد فرغلي وأحمد حسني، ومن إخراج شيرين عادل- نسج رابط عاطفي خفي بين صديق الزوج وغالية منذ بداية التعارف، بدأ بانجذاب شخصي من كل طرف إلى الآخر في هدوء وتطوّر إلى علاقة حب مع كثرة اللقاءات التي تمت بينهما، وهو ما شعر به الزوج المقيم في الكويت، وجعله يبعد صديقه عن طريق ضحيته أيضا، حيث شكت غالية أنه كان شريكا في خداعها.

عادت عادل من خلال هذه الحلقات لتؤكّد جدارتها كمخرجة من نجوم الصف الأول في الدراما وينتظرها مستقبل واعد،

لأنها ممّن يُجدن الاختيار ولديها عين بصيرة بقضايا المجتمع وتغوص في الكثير من تفاصيله، ومن أهم أعمالها “سلطان الغرام” و“هوجان” و“دلع بنات”، وبدأت كمساعد مخرج في الكثير من الأعمال الرائعة في الدراما المصرية، مثل “المال والبنون” و“الضوء الشارد” و“ذئاب الجبل”.

وأسهمت هذه الخبرة في اختيار فكرة جيدة من الأفكار التي تشغل بال شريحة كبيرة من الناس، وهي عملية الزواج بـ”المراسلة” أو عبر توكيل رسمي كقضية حساسة يمكن أن تقع بعض الفتيات في شراكها لعدم القدرة على التعارف بين الزوجين بصورة كافية، الأمر الذي وفّر لها زخما في المتابعة، خاصة أن الفنانة درة ومعها جميع أعضاء طاقم العمل -الذي شمل أيضا فرح يوسف وأحمد حلاوة وهاجر الشرنوبي- كانوا على قدر المسؤولية المجتمعية التي ألقيت على عاتقهم في تجسيد القضية بالجدية التي تستحقها.

أخطاء مُربكة

العمل عالج بنجاح مشكلة الزواج بالمراسلة، وما يكتنفه من تعارف منقوص بين الزوجين
العمل عالج بنجاح مشكلة الزواج بالمراسلة، وما يكتنفه من تعارف منقوص بين الزوجين

خرجت الشركة المنتجة لحلقات حكاية “غالية” من مشكلة لتقع في أخرى، حيث وضعت صورة خاطئة لوليّ عهد الكويت مشعل الأحمد الصباح معلقة خلف أحد المكاتب ضمن أحداث العمل الذي من المفترض أن تدور بعض مشاهده في دولة الكويت، ثم اعتذرت في بيان رسمي مؤخرا عن هذا الخطأ بعد صخب على مواقع التواصل الاجتماعي من كويتيين رأوا فيه إهانة بالغة لبلدهم.

وتقدّمت شركة “سلميديا” للإنتاج الفني باعتذار رسمي لدولة الكويت بعد أن اتسع نطاق الاعتراضات من جانب الجمهور الكويتي، وقامت بحذف الصورة من جميع وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية ووضعت لوحة فنية عامة بدلا من صورة أمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الصباح، والصورة المغلوطة التي تخصّ الوزير السابق خالد الفاضل وليس وليّ العهد مشعل الصباح.

ولم تدرك “سلميديا” أن انعكاس الصورتين لا يزال مستمرا على زجاج المكتب الذي يجلس خلفه الفنان السوري فراس سعيد، حيث شارك في بطولة حلقات حكاية “غالية”، بمعنى أن المشكلة لم تحل تماما، وبقيت ذيولها محل شدّ وجذب من رواد المنصات.

يكفي هذا الخطأ لتأكيد أن التركيز على جميع التفاصيل عملية مهمة تضمن نجاح العمل، فالخطأ والاعتذار وطريقة معالجته كلها تكشف إلى أي درجة يمكن أن يتسبّب خطأ واحد غير مقصود في ضياع جهد طاقم فني اشتغل بتفان لتقديم الحلقات الخمس من حكاية “غالية” التي أعادت اكتشاف الكثير من النجوم وقدمتهم بطريقة تتناسب مع حجم موهبتهم ومنحتهم فرصة كبيرة لإظهار الطاقات الفنية الكامنة.

وتتالت الأخطاء في بعض التفاصيل الصغيرة، ولم يكن الخطأ في صورة ولي عهد الكويت الوحيد، فاختيار الفنان مكرم مراد كفتى أحلام في حكاية “غالية” لم يكن مقنعا لبدانته اللافتة، ومعروف أنه يقدّم برنامجا خاصا بالمطبخ في إحدى القنوات المصرية، كما أن حيلة فراس سعيد في عدم النزول بسبب انشغاله الدائم أو كسر إحدى ساقيه لم تكن موفقة، ناهيك عن عدم ظهور زوجته أو أولاده حيث يقيمون معه في الكويت.

درّة التونسية قدّمت في خماسية "غالية" واحدا من أهم أدوارها في الدراما المصرية، عبر أداء صادق دون تكلّف أو مبالغات
درّة التونسية قدّمت في خماسية "غالية" واحدا من أهم أدوارها في الدراما المصرية، عبر أداء صادق دون تكلّف أو مبالغات

خلت حكاية “غالية” من أي مشهد حقيقي داخل الكويت أو شوارعها ومعالمها الرئيسية ولو على سبيل الأرشيف، وبدت اللقطات التي ظهر فيها فراس سعيد من داخل أستوديو أو من أحد المكاتب في القاهرة باهتة، وهو ما قلّل من القدرة على إقناع الجمهور بأن هذه المشاهد حية وجرى تصويرها في مكانها الأصلي، ربما تكون ظروف كورونا ومنع الطيران بين مصر والكويت حتى وقت قريب السبب في ذلك.

ورغم تفهّم هذه الدواعي والمبرّرات إلا أنها ليست ذات قيمة كبيرة عند المشاهد الذي يريد أن يشعر بأن الأحداث تجري أمامه على الشاشة بطريقة سلسة وفي سياق منطقي، لأنه في هذه الحالة يشعر ببخل الشركة المنتجة التي كان بإمكانها الاستعانة بمشاهد عامة من الكويت لتوحي بأن المسافة قريبة بين الزوجين كما هي قريبة في العالم الافتراضي الذي كان أحد المحاور اللافتة للحوار في العمل.

وهو تقصير تتحمّل المخرجة شيرين عادل جزءا من المسؤولية عنه، لأنه معروف عنها الحرص على تقديم صورة مكتملة لأعمالها، وهي من الجيل الذي يمكن أن يلعب دورا مهما في الأعمال الدرامية الفترة المقبلة بعد فتح الطريق أمام العديد من شركات الإنتاج للعمل واختيار مخرجيها بحرية كبيرة، فلم تعد المسألة محصورة في شركة واحدة تحتكر العمل الدرامي في مصر.

وربما لجأت عادل إلى زيادة المشاهد المصوّرة في شوارع مصر وتكثيفها في بعض الأماكن التي تتناولها الحلقات مثل مدرسة غالية أو محطة البنزين التي يديرها مكرم كنوع من التعويض عن القصور. وساعد التقليل من التصوير داخل الأماكن المغلقة في منح العمل مساحة من البراح الفني بالمعنى الشامل، والذي يوفّر الفرصة لانطلاق النجوم، الأمر الذي استغلته درة بشكل جدي في استعراض رشاقتها.

16