درجات سيئة للطفل في الامتحان لا تجيز الحكم عليه بالفشل

الذكاء الاجتماعي ونقاط القوة الفردية يعوضان جوانب التقصير في الدراسة.
السبت 2020/02/29
لكل طفل طريقته في التقبل

يشعر الآباء والأمهات بالخيبة إذا حصل أطفالهم على درجات سيئة في الامتحان نتيجة إحدى صعوبات التعلم. ثم ينقلب شعور الخيبة إلى إحساس بالتقصير وتأنيب الضمير يرافقه حكم على الأطفال الذين لم يتجاوزوا سنواتهم الأولى في التعلم بالفشل، مما يزيد من عزلتهم وإحساسهم بالقلق والاكتئاب ويقتل الموهبة التي بداخلهم.

لندن - العودة إلى التاريخ نلاحظ أن عددا من العظماء والمشاهير لم يكونوا متميزين خلال مراحل الدراسة لكنهم استطاعوا أن ينحتوا أسماءهم في سجلاته. فـونستون تشرشل، مثلا، كان يعاني من صعوبات في القراءة وإعاقة في الكلام، وتم وضعه في فصل بطيئي التعلم في اللغة الإنجليزية. كما لم يكن الرئيس السابع والعشرون للولايات المتحدة، وودرو ويلسن، قادرا على تعلم الحروف الأبجدية حتى سن التاسعة، كذلك كان ألبرت أينشتاين فاشلا في دروس الرياضيات وكان معلموه يعتبرونه غارقا في أحلام اليقظة. ثم أظهر بعد ذلك قدرة هائلة في تصوره للزمان والمكان.

أولئك استطاعوا أن يعوضوا جوانب التقصير في الدراسة من خلال اعتمادهم على نقاط القوة الفردية التي يمتلكونها وعلى موهبتهم، وهو ما فسره علماء النفس باختلاف درجات الذكاء بين الأطفال مشيرين إلى أنها ميول ونزعات لا تظهر فجأة بل من خلال مرور الأطفال بمواقف وأنشطة تحتوي على هذه المستويات من الذكاء.

ويدعم علماء النفس فكرة أن تكون لدى طفل معين مهارات العلاقات بين الأشخاص أو ما يسمى بالذكاء الاجتماعي، في حين يتميز آخر في المنطق وحل المشكلات الرياضية.

يقول شيري فولر خبير التربية “إن أسلوب تعلم طفلك فريد من نوعه فهو يشبه بصمة الإصبع ويعكس مدى ارتقائه ونموه واتجاهاته ونقاط قوته وضعفه”، أي أن لكل طفل طريقة في التقبل و مجالا في التميز.

بدوره يؤكد عالم النفس الأميركي هوارد جاردنر على وجود العديد من القدرات العقلية المستقلة نسبيا لدى كل فرد أطلق عليها “الذكاءات البشرية”، داحضا مفهوم الذكاء الواحد، في كتابه الأطر العقلية.

وأشار جاردنر إلى أن الاختبارات التقليدية للذكاء أهملت مواهب يمتلكها الكثير من الأفراد كالرياضة والموسيقى واعتمدت في أغلبها إما على كتابة مفردات أو القيام ببعض العمليات الحسابية أو إدراك العلاقة بين بعض الأشكال. وهو ما يعني أن عدم تميز الطفل في مادة دراسية معينة لا يستدعي الحكم عليه بالفشل.

وعرضت الأخصائية في علم النفس والمدربة الفرنسية، باسكال رو، طريقة التعامل مع الطفل في حالة حصوله على نتائج مخيبة للآمال، مؤكدة على الأخذ بعين الاعتبار لمسيرته الدراسية.

Thumbnail

وقالت رو “يجب التمييز في مواقف الآباء وفقا لثلاث حالات، فالطفل عادة ما يكون طالبا نجيبا ولكنه يمر في بعض الأحيان بفترة لا تخلو من العقبات”.

وأضافت “قد يجد الطفل نفسه وقد تحصل على نتائج سيئة، يحاول بصفة طوعية تحسين مردوده دون أن يتحصل على علامات مدرسية كافية”، داعية إلى أخذ مسألة النضج بعين الاعتبار.

وأشارت رو إلى أن بعض الآباء يعتبرون أن حصول الطفل على علامات جيدة رهين الالتحاق بمقاعد المدارس الممتازة التي تضمن مستقبلا تعليميا مريحا له.

وأكدت أنه إذا كان الطالب يعمل بجد ولكنه لم يحقق النتائج التي أرادها، فربما يعني ذلك أنه يعاني من مشاكل في التعلم، أو في الانتباه في الفصل، أو أن طريقته في التعلم ليست ناجعة، وفي هذه الحالة، يجب على الوالدين التحدث إلى معلميه.

وحذرت رو من اللجوء إلى العقوبات في حال تحصل الطفل على درجات مدرسية سيئة، إذ أنه ليس في حاجة إلى عقاب إضافي، ذلك أن الدرجات المنخفضة تعتبر عقابا كافيا، فهو حتى وإن أبدى عدم اهتمامه، فإن الأمر يؤثر عليه وبشدة.

وذكرت رو أنه من الضروري ألا نتغاضى عن الجوانب الإيجابية، من خلال التركيز على المواضيع التي يتقنها الطفل والحرص على تشجيعه في حال أحرز تقدما مقارنة بنتائجه السابقة، أو في حال تلقى تقييمات جيدة من قبل معلميه، فكلما أبدينا تقديرا للجهود التي يبذلها الطفل، ازدادت فرصه في الاستمرار والتحسن.

اختبارات قيس الذكاء التقليدية أهملت الرياضة والموسيقى واعتمدت على كتابة مفردات أو إجراء بعض العمليات الحسابية

كما ينصح خبراء علم النفس بالبدء بمد الطفل على أفضل النتائج التي حصل عليها أولا إذ أن البدء بالمدح يزيد من ثقة الطفل أو المراهق بنفسه. ويؤكدون أنه ليس من الخطأ المبالغة في الثناء على الطفل رغم سوء علاماته وربما أيضا تقديم هدية له كمكافأة على العلوم التي عمل فيها بشكل جيد أولا قبل الحديث عن العلامات السيئة.

ويحذر الخبراء من استخدام عبارات اللوم التي تقلل من قيمة الطفل أو تضعه في مقارنة مع من هم أفضل منه من الطلاب.

ومن المهم، أن يراعي الوالدان في هذه الحالة، التركيز على المواهب التي يتسم بها التلميذ، والتي لا يشترط أن تكون مرتبطة بالتحصيل العلمي وربما تكون موجودة في مناحي الحياة الأخرى كالرياضة والفنون أو حتى العلاقات الاجتماعية وطريقة التعامل مع الغير. فإذا كان الطفل يتحدث كثيرا ويمتلك كفاءة لفظية فإنه طفل موهوب ولديه ملكة كلام متطورة وهو ما يمكن أن يساعده في مجالات أخرى من الحياة. وقد ينجح في مهن مثل القانون أو التقديم الإذاعي. أما إذا كان الطفل صاحب خيال واسع ويحب الرسم والتلوين فيمكن تشجيعه على تعلم الفنون الإبداعية ويمكن أن يساعده هذا في مهن تتعلق بالتمثيل أو صناعة الأفلام أو تصميم الأزياء في المستقبل.

وينصح الخبراء بالبحث عن أسباب حصول الطالب على علامات متدنية، ويعتبرونه أفضل وسيلة للتعامل مع الطالب بدلا من لومه.

وينصح خبراء علم النفس بضرورة الحديث مع الطالب لتحديد سبب ضعف علاماته وما إذا كانت مرتبطة بشعوره بضغوط عصبية أو عدم اهتمامه بمادة معينة أو ربما قلة التركيز أثناء المحاضرات المدرسية.

وتتنوع الحلول الممكنة لتعويض هذه العلامات السيئة، بحسب عمر التلميذ مع أهمية وجود الدافع لدى الطفل أو المراهق نفسه. وربما تساعد الحصص الإضافية وحصص الدعم والتدارك أو تنظيم أوقات المراجعة في تحسين أداء التلميذ في بعض العلوم.

21