درجة الحرارة تهدد رئة الأرض وكنز الغذاء

دفء المحيطات يعكر صفو حياة البشر، وفقراء المناطق الساحلية يزدادون فقرا.
السبت 2019/01/12
حال البحر يهدد حياة البشر

ينطوي احترار المحيطات على تغييرات جوهرية في النظم البيئية على الكرة الأرضية والحياة البحرية على نطاق لم يكن بمقدورنا تصوره من قبل، ما جعل خبراء المناخ والناشطين في مجال البيئة يطلقون صيحة فزع مفادها أن تضع البشرية والحكومات مشكلة ارتفاع حرارة المحيطات في قلب الجهود المتعلقة بالمناخ، وإلا ستستحيل الحياة على كوكب الأرض

واشنطن – يعيش علماء المناخ في حيرة من أمرهم منذ سنة 2014، فارتفاع حرارة المحيطات كان أقلّ مما توقّعته النماذج العلمية، فالنتائج وضعتهم أمام احتمالين، إما أن تكون نماذج التوقّع غير صالحة أو أجهزة القياس غير دقيقة.

لكن دراسة جديدة نشرت الخميس في مجلة “ساينس” حلّت هذه المسألة وأظهرت أن النماذج العلمية صحيحة، وتبيّن أن حرارة المحيطات على عمق ألفي متر من السطح كانت بين العامين 1971 و2010 أعلى مما كان يُعتقد.

وأضافت الدراسة، أن درجة حرارة المحيطات ترتفع بشكل أسرع من التقديرات السابقة لتصل إلى مستوى قياسي جديد خلال عام 2018 في اتجاه يدمر الحياة البحرية ويجعل التأثيرت خطيرة على البيئة التي تعيش فيها البشرية.

وتعود مشكلة عدم الدقّة في قياس الحرارة إلى الأجهزة القديمة المستخدمة وهي موازين تُغرق في الماء متصلة بالسفن عبر أسلاك، لكن العلماء يوضحون، أن القياسات الجديدة، التي أخذت بالاستعانة بشبكة دولية مكونة من 3900 عوامة منشورة في المحيطات منذ عام 2000، تظهر ارتفاعا أكبر في درجات الحرارة منذ عام 1971، يفوق تقديرات الأمم المتحدة الأخيرة للتغير المناخي في عام 2013.

يقول زيكي هوسفاذر الباحث في جامعة كاليفورنيا والمشارك في الدراسة “إن أردنا فهم التغيّر المناخي علينا أن ننظر إلى المحيطات… ارتفاع حرارة المحيطات مؤشر مهم جدا على التغيّر المناخي، وقد باتت لدينا أدلة على أن الاحترار يجري بوتيرة أسرع مما كنا نظنّ”، مضيفا، أن العام 2018 كان الأكثر حرّا وكذلك كان العام 2016 ومن قبله 2015.

المحيطات تستوعب نحو 30 بالمئة من ثاني أكسيد الكربون، وتتيح نحو نصف حجم الأكسجين

كشفت الدراسات عن أن متوسط ارتفاع درجات الحرارة خلال 150 عاما مضت كان يعادل نحو 1.5 قنبلة ذرية بحجم هيروشيما في الثانية الواحدة، ولكن الآن أصبح يعادل ما بين ثلاث وست قنابل ذرية في الثانية الواحدة.

وتقول الباحثة لور زانا من جامعة أكسفورد، “أحاول عدم إجراء هذا النوع من المقارنات لأني أجده ببساطة مثيرا للقلق، نحاول مقارنة ارتفاع الحرارة باستخدام الطاقة البشرية لجعل الأمر أقل خوفا”، مضيفة، “لكن من الواضح إننا نضع الكثير من الطاقة الزائدة في النظام المناخي وينتهي الكثير من ذلك في المحيط”.

ولا شك في أن الحرارة الإجمالية التي استهلكتها المحيطات على مدى السنوات المئة والخمسين الماضية كانت نحو ألف مرة من الاستخدام السنوي للطاقة لجميع سكان العالم.

وحرارة المحيطات تعدّ إحدى أهم المؤشرات الرئيسية لتغير المناخ، فهي مصدر أكثر من 90 بالمئة من الطاقة التي تؤدي إلى ارتفاع حرارة المناخ العالمي، كما يؤدي دفء المحيطات إلى ذوبان الغطاء الجليدي، وقد يحدث ذلك تغييرات في نظام التيارات تحت الماء، ما سيؤدي إلى التأثير الكبير على تنظيم درجة حرارة الأرض.

صديقة البشر تئن

الأسماك تهجر شعابها
الأسماك تهجر شعابها

صار من المتعارف عليه لدى خبراء المناخ والناشطين وعامة الناس المهتمين بالبيئة، أن المحيطات تعتبر رئة الأرض لأنها تستوعب نحو 30 بالمئة من ثاني أكسيد الكربون الذي ينتجه البشر، وتتيح نحو نصف حجم الأكسجين المتاح لدينا.

وكانت المحيطات أفضل حليف للبشرية في الجهود المبذولة للحد من تغير المناخ، فضلا عن دورها في تنظيم درجة حرارة الأرض، وتوفير الغذاء والماء، كما أنها موطن لمئات الآلاف من فصائل الكائنات الحية، لكن صار هناك عدم يقين بخصوص قدرة المحيطات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون في المستقبل.

وتقول الغالبية العظمى من علماء المناخ إن الغازات الناجمة عن الأنشطة البشرية تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي وتمتص المحيطات الجزء الأكبر من هذه الحرارة، وذلك ما يجبر الأسماك على الهرب إلى مياه أكثر برودة.

إن أكثر من 93 بالمئة من حجم الحرارة التي تسبب جميع سكان العالم في انبعاثها منذ خمسينات القرن الماضي، قامت المحيطات بامتصاصها، لكن تكاليف ذلك ستكون باهظة حتما، فارتفاع درجات حرارة المحيطات صار جليا في ذوبان الجليد في المحيط المتجمد الشمالي.

وبعد أن كانت المحيطات أفضل صديق للإنسان، أصبح هناك خطر في المستقبل القريب حيث من المتوقع أن تبدأ هذه المحيطات في المطالبة بسداد التكاليف، فنسبة كبيرة من الانبعاثات التي تسببت فيها البشرية منذ بدايات القرن العشرين، أصبحت الآن مخزنة في قاع المحيطات، وقد تعاود مكانها في الغلاف الجوي.

وهناك نحو 40 بالمئة من مساحة محيطات العالم متضررة بشدة من الأنشطة البشرية وتبعاتها، ومن أهمّها التلوث، ما أدى إلى استنفاد مصائد الأسماك وفقدان الموائل الساحلية مثل الشعاب المرجانية وأشجار ‏المنغروف والحشائش البحرية.

ومن أمثلة المناطق المتضررة من دفء المحيطات، هي القطب الشمالي، ففي نوفمبر 2016، تم قياس درجة الحرارة في القطب الشمالي، وكانت الصدمة حين تبيّن أنها كانت أكثر دفئا بمعدل 20 درجة مئوية مما هو طبيعي بالنسبة لذلك الوقت من السنة.

وتشير الاكتشافات العلمية إلى خطر متزايد يتعدى نقاط التحول الواسعة النطاق في القطب الشمالي، مثل انهيار الجليد البحري في الصيف، وذوبان ألواح الجليد، وانبعاثات الميثان الناتجة عن ذوبان الطبقة الجليدية الدائمة، والتي قد تكون لها تبعات ملموسة على الصعيد العالمي ولا تقل عن ارتفاع مستويات سطح البحر وكثرة الأعاصير.

والتنوع البيولوجي والنظم البيئية في القطب الشمالي، أصول لا يمكن الاستغناء عنها، فالعديد من فصائل الكائنات القطبية الشمالية، والنظم البيئية ومواطن هذه الكائنات، معرضة لخطر الاختفاء تماما.

ومع ذوبان الألواح الجليدية، فإن الكثير من المناطق الواسعة في القطب الشمالي تفتح مياهها الآن لعمليات الشحن واستخراج الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والأسماك.

مستودع غذاء ينفد

الشعاب المرجانية
الشعاب المرجانية

تعتبر المحيطات من أهم المستودعات الرئيسية للتنوع البيولوجي في العالم، فهي تشكل أكثر من 90 بالمئة من المساحة الصالحة للسكن على كوكب الأرض وتحتوي على حوالي 250 ألف نوع معروف من الأنواع البحرية في العالم.

وبالإضافة إلى أن المحيطات والبحار تشكل مصدر رزق للملايين من البشر حيث يعيش 38 بالمئة من سكان العالم في حدود 100 كيلومتر من الساحل، تقدم أيضا مجموعة من الخدمات الأخرى مثل المياه النظيفة ومنتجات الغابات والحماية من التعرية

والظواهر المناخية القاسية. ويلحق ارتفاع درجة حرارة المحيطات لأكثر من ثلاث درجات مئوية ضررا بالبيئة البحرية، حيث تعتبر الشعب المرجانية من أكثر البيئات البحرية حساسية، إذ يُمكن لارتفاع بهذا المقدر أن يسبب موت الشعاب المرجانية التي تعتمد عليها أكثر من 25 بالمئة من فصائل الكائنات البحرية.

وتظهر الأبحاث العلمية أن الشعاب المرجانية تطرد تحت تأثير الحرّ الطحالب الدقيقة التي تعيش فيها، وهو ما يعرّضها للابيضاض ومن ثمّ الموت، كما يؤدي الاحترار إلى تكاثر الطحالب السامّة.

وسيكون لهذه التغييرات أثر خطير للغاية على مصائد الأسماك ومزارع الأحياء المائية، فقد تأثر أكثر من 72 نوعا من الأسماك في منطقة شمال شرق المحيط الهادي.

وتعاني أنواع الأسماك التي تمثل حوالي 20 في المئة من مصدر البروتين الحيواني لنحو 3 مليارات نسمة من تراجع في أعدادها بسبب هذه التغيرات المناخية، كما أن الأسماك التي تعتمد على الأكسجين سوف تنمو ببطء أكثر وتتعرض لانخفاض في الحجم، وستتكاثر بوتيرة أقل.

أما الأسماك الكبيرة مثل التونة، وسمك أبوسيف، وأسماك القرش، والتي تعتمد على كمية كبيرة من الأكسجين، فستكون مدفوعة إلى المياه السطحية الغنية أكثر بالأكسجين، كما أن المزيد من المخلوقات البحرية سوف تسكن مناطق أصغر، لتصبح أكثر سهولة في التعرض للصيد الجائر.

أيضا ستحتاج الكائنات البحرية التي تعيش في قاع البحار أيضا إلى البحث عن مياه أقل عمقا.

إن التأثير المتتابع لدفء المحيطات والبحار سوف يشكل خطرا واضحا من جراء الإفراط في الصيد الجائر. وتعد قطاعات مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية مصدرا للدخل

لمئات الملايين من البشر، ولا سيما بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض، وتسهم بشكل مباشر وغير مباشر في أمنها الغذائي.

وتوفر النظم الإيكولوجية البحرية خدمات لا حصر لها للمجتمعات الساحلية في جميع أنحاء العالم، فعلى سبيل المثال، تشكل النظم الإيكولوجية للمانغروف (وهي النباتات والأشجار التي تعيش في البيئات الشاطئية المالحة) مصدرا هاما للغذاء لأكثر من 210 ملايين نسمة.

Thumbnail

وتزيد الكثافة السكانية الساحلية بمقدار 2.6 مرة عن المناطق الداخلية، وتستفيد بصورة مباشرة وغير مباشرة من سلع وخدمات النظم الإيكولوجية الساحلية والبحرية التي تسهم في القضاء على الفقر، وتوفر الأمن الغذائي، لكن التغيرات في أنواع الأسماك بسبب دفء البحار والمحيطات يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة على الأمن الغذائي، وخاصة في البلدان الساحلية الفقيرة، حيث يعتمد الكثير من السكان على الصيد لتدبير قوتهم اليومي.

ولا شك في أن آثار تغير المناخ على المحيطات ستؤدي إلى تكلفة اقتصادية كبيرة، فعلى سبيل المثال، قدرت تكلفة انخفاض السياحة بسبب تبييض المرجان بنحو 12 مليار دولار سنويا.

وعند تضمين خدمات النظام البيئي المفقودة من الشعاب، فإن التكلفة السنوية من المقدر أن تصل إلى تريليون دولار بحلول عام 2100، ولكن التكلفة الكبيرة بالفعل سيتم قياسها بمدى الانخفاض في صحة البشر وسلامتهم.

أصبحت هناك حاجة إلى اتخاذ إجراء فوري للحد من ظاهرة احترار المحيطات، فالانخفاضات الفورية والحادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سوف تتيح الوقت الكافي لتعزيز قدرة المحيطات، والنظم البيئية، وفصائل وأنواع الكائنات البحرية على التكيّف مع التأثير السلبي لتغير المناخ، فالأسماك التي يمكن أن تهاجر بسهولة، ستكون قادرة على العثور على مواطن جديدة، والكائنات الحية ذات دورات التكاثر القصيرة، مثل العوالق، يمكن أن تتطور لتحقق التكيّف مع الظروف الجديدة.

كما أنه لا يزال من الممكن الحفاظ على النظم البيئية البحرية الكبيرة غير المتضررة نسبيا، وذلك إذا تم اتخاذ هذه الإجراءات الآن.

17