درجة حرارة النص

وضع الطقس الثلجي وتراكم طبقات الثلج القطني والتي تغطي شوارع الحدث ببياض ونتف قطنية ونثيث متواصل لذرات المطر، لا يصلحان للنص الذي يحفر في البيئة العربية الساخنة.
السبت 2018/03/10
لابد من توظيف الطقس السردي

ثمة أحاديث دائرة بالخفاء في النقديات والدراسات الثقافية الجديدة، عن مسار بوصلة الأنواء الجوية وحركة الريح الباردة وتقلبات الضغط الجوي تسجل درجة حرارة النصوص من الداخل، سائرة بالتوافق مع أحداث النص، من حيث سخونتها أو برودتها عن صحو الأجواء أو زمجرتها من رعد وأمطار وزوابع. ففي أغلب النصوص السردية المحلية، أو تلك التي تغرف من جغرافية الشرق-أوسطية، فثمة طقس يتفاعل بقوة خلال النص السردي يحيط دائرة الحدث.

ينعكس ذلك في لاوعي الكاتب أولا، حيث يتدفق من خلال قياس درجة السخونة صعودا أو هبوطا لقوة الحدث والوصفيات المرافقة، ومن خلال السرد ووصفياته العامة للأمكنة، هنا تبرز حالة الطقس البارد على الأغلب ونثيث المطر واكتساء الشوارع بلون أبيض، حيث يميل كاتب السرديات إلى الطقس الشتائي القارس، وهذا الميل المفرط للمطر والأجواء الملبدة في الغيوم ما يلبث أن ينزل المطر ما بين السطور، يتم الاستغراق في وصف نزول المطر وتأثيره على البيئة الروائية وتأثر الشخصيات بتلك الأجواء، ونادرا ما نجد في الأعمال السردية المتلاحقة وصفا للأجواء الحارة في المدن العربية، بالرغم من غلبة الأجواء الحارة وامتدادها على مساحة زمنية هي أكثر من زمن نزول الأمطار في الشتاء.

حسب الاعتقاد السائد أن الطبيعة السيكولوجية لمعظم كتّاب السرد تجعلهم يميلون إلى إنزال المطر على مكان الوقائع ويعملون لتبريد الأجواء، تلك الخاصية تحيل إلى البذرة الرومانسية لتجليات الوصف الشاعري لدى الكاتب، لتكتسي المساحات السردية باللغة الشعرية التي تجتذب القراء على حساب الأجواء الخانقة والحارة. وهنا لا أستطيع الجزم على هذه الخاصية السردية التقليدية، بل ثمة أعمال سردية صارعت التقليد وخرجت من فلك النمط المعتاد وراحت تضع النص السردي بدرجة حرارة أكثر سخونة مما جرت عليه العادة السردية التقليدية وتبريرها بشكل منطقي جاذب.

“تتحرك مروحة السقف بهدوء وبحركتها تتحرك ذرات الغبار المتراقصة في فضاء الغرفة الباردة”. كيف تتحرك مروحة السقف والأجواء الأرضية باردة؟ تلك هي المفارقة المغلوطة والتي لم يحسب لها الكاتب حساب لحظة الزمن وما يصاحبها. هل يجوز للكاتب أن يجيز لبطله المستلب أن يسير في الأجواء الباردة من دون أن يدثّر جسد البطل المتعب من البرد بمعطف شتوي من الصوف ليقيه الإصابة بنزلة البرد؟ إذن ثمة قساوة وسادية مارسهما الكاتب على بطله المنهك من البرد.

تلك التقليعة التي واكبت السرد العربي هذه الأيام هي بالأحرى لها علاقة بمقاربات النص الغربي، من دون النظر في الطقس المختلف وتباينه بين البلدان الغربية والأوروبية والأجواء في البلدان العربية التي تموج بموجات من الحر الجهنمي وخاصة في السنين الأخيرة.

 إن وضع الطقس الثلجي وتراكم طبقات الثلج القطني والتي تغطي شوارع الحدث ببياض ونتف قطنية ونثيث متواصل لذرات المطر، لا يصلحان للنص الذي يحفر في البيئة العربية الساخنة، ذلك ما لا يصح مطلقا، ويبدو مثل مجازفة مضحكة النتائج، وتلك الرومانسية لملاحقة أمطار الشوارع لا تصح كثيرا، حيث يواكبها سقوط الكاتب بشبكة من الأخطاء الزمنية التي تخص زمن الحكي داخل النص السردي، فنجد الكاتب يقع في هذا الفخ بعد عدة صفحات لوصف المشهد الممطر، ثم يعود ليصف لنا أن البطل مرتد قميصه وخارج إلى الشارع، ولا ذكر للمعطف أو قبعة الرأس أو حتى المظلة.

مثلما تذكر الدراسات النقدية الأدبية منها أو الإجرائية، فهناك زمنان محبوكان يفترض بهما أن تفصلهما فاصلة زمنية معلومة التوقيت، بين زمن الحكاية الماضي وزمن الروي الحالي في لحظة الكتابة، والذي يحيكه الكاتب وبوعي بين اللحظتين، فالحكاية التاريخية لها زمن ماض وزمن حاضر، الروي سيتحول أيضا إلى زمن ماض في ما بعد، وهنا تبدأ المفارقة الزمنية لتوظيف الطقس السردي الذي يغلف الأجواء الباردة/الحارة، التي تحرك الفضاء (زمن/مكان/ حدث) وفق متغيرات تحرك الشخصيات بإشارات زمنية تضيف إلى حرارة النص هاجسا خفيا يمنحه الدفق الذي يحيل المكان والحدث إلى التحرك في فلك الزمن وتوقيتاته الحسابية التي لا تقبل الأخطاء.

13