درس "دشرة"

بعد 15 عاما مرّت على تصريح شيخ السينمائيين التونسيين لـ”العرب”، تحقّقت نبوءة الراحل مصطفى العدواني عبر فيلم "دشرة" للمخرج عبدالحميد بوشناق الذي غامر بثيمة جديدة، فأنتج أول فيلم رعب تونسي.
الجمعة 2019/02/22
فيلم ملك قلوب الجميع

“الفرق بين المخرج الفرنسي والمخرج التونسي، الأول يبيع بيته ليتمّ فيلمه، والثاني يُنتج فيلما بدعم من وزارة الثقافة ليبني بيته الخاص”، كان هذا مُلخّص حوار كنت أجريته في العام 2004 بصحيفة “العرب” مع الممثل السينمائي التونسي الراحل مصطفى العدواني (1946-2006)، حوار لم يمر مرور الكرام في الساحة الثقافية التونسية، فانقسم الجماعة إلى فريقين، كالعادة، بين مُعارض ومُساند لهذا التصريح الجريء، عصرئذ!

شيخ السينمائيين التونسيين الذي راكم تجربة سينمائية امتدت زهاء الثلاثة عُقود، قدّم فيها العشرات من البطولات المحلية والعديد من المُشاركات العالمية، اعتبره بعضهم، “سكت دهرا ونطق كُفرا”، وهو الصامت الصموت، إلاّ لماما، أفرد “العرب” حينها بكلمات ليست كالكلمات.. أسمعت من به صمم.

ما قاله مصطفى العدواني، يومها، رغم ما فيه من إحراج لأهل القطاع، بدا الآن عين العقل والتعقّل والاستشراف لسينما تونسية بديلة وكفيلة من خلال أفكار فذّة للنهوض بالمجال من سباته الطويل والمرير تكرارا واجترارا لـ”سينما المؤلف” التي أطربت المُخرجين/ المؤلفين لسنوات طوال وأفرغت قاعات العرض من جمهورها المُستهدف، علاوة على ما في التصريح من حث مُعلن للمُخرجين، كل المُخرجين الحقيقيين، للخروج من جلباب الوزارة ودعمها المُقنّن أحيانا، والبحث في ثيمات حديثة بتمويلات جديدة تقطع مع السائد وتعلن ما وجب أن يسُود.

قائمة الأعمال المكررة والمُستنسخة من بعضها البعض في السينما التونسية طويلة إلى الحد الذي جعل عشّاق الفن السابع بالبلد يهجرون القاعات غير آسفين على ما يمكن أن يكون قد فاتهم من فرجة رائقة لمواضيع شائكة لم يأت بها الأوائل.

ظلّت السينما التونسية وإلى حدود بداية الألفية الثالثة تنهل من معين واحد وحيد لا جديد فيه، ألا وهو تصوير العُري الأنثويّ المُشتهى من مجتمع ذكوريّ حد العظام وإن ادعى العكس، فسقطت سينما تونس في النمطية المقيتة، ومن ثمة هجرها الجمهور بما في ذلك جمهور الشباب الذي اجتذبه بداية هذا الموضوع المثير للرغبات والمحرّك للشهوات، ولنا أن نتذكرّ هنا ما حقّقه فيلم “عصفور سطح” للمخرج فريد بوغدير في العام 1990 من إقبال جماهيري غير مسبوق على قاعات السينما، وصل حد التدخلّ الأمني العنيف لتفريق الحشود الغفيرة من الجماهير المُتدافعة.

الجمهور ذاته، وبعد أن أشبع نهمه الفطري في التلصّص على أجساد أنثوية عارية تماما، لم يتعوّد مُشاهدتها كذلك إلاّ في الأفلام الأجنبية، فما بالك بأفلام تونسية لحما و”لحما” مُضاعفا، عاود هجره للقاعات بعد أن ملّ التكرار والاجترار.. وظل الأمر على حاله حتى بعد ما اصطلح على تسميته بـ”سينما ما بعد 2011”، والتي على جدّة وجديّة طرحها سقطت، مرّة أخرى، في تكرار واجترار أحداث ثورة 14 يناير وما يليها، وهي مُعضلة أخرى يطول فيها الحديث.

ومع ذلك، فالجديد اليوم، وبعد 15 عاما مرّت على التصريح المُربك لشيخ السينمائيين التونسيين لـ”العرب”، تحقّقت نبوءة العدواني عبر فيلم “دشرة” للمخرج التونسي الشاب عبدالحميد بوشناق الذي غامر بثيمة جديدة، فأنتج أول فيلم رعب تونسي حقّق المُصالحة بين جمهور الشباب والسينما، وهو الذي شاهد “فيلمه/ الحدث” في 17 يوما فقط، مئة ألف مُشاهد، والرقم في طريقه للارتفاع، طبعا.

بوشناق حقّق نبوءة العدواني مرة أخرى، دون أن يدري، وهو الذي أنتج فيلمه بتمويلات ذاتية صرفة، بعيدا عن كواليس المحسوبية والشللية، التي نخرت لسنوات مضت السينما التونسية من خلال “لُعبة” الدعم والداعم والمدعوم، والتي في غيابها يكون مصير الفيلم، أي فيلم كان، الإعدام وهو لا يزال مسودة مخطوطة على الورق.

المخرج التونسي الشاب، وصل به الحال إلى بيع سيارته الخاصة كي يتسنى له استكمال إنتاج فيلمه المحدود الإمكانيات إنتاجيا، والثريّ جماليا.

هنا يكمن الدرس الذي أتاه تصريح الراحل مصطفى العدواني السابق، مُنددا بما كان ومُستبقا لما يجب أن يكون، وهو ما حصل تماما مع عبدالحميد بوشناق الذي باع ما يملك ليملك القلوب جميعا.

16