درس أفغانستان يُقرأ جيدا في مكتب رئيس الوزراء العراقي

الكاظمي مستبقا لقاءه ببايدن: الحشد لا يريد قواتكم ولا أستطيع تحدّيه.
الاثنين 2021/07/26
رحلة إلى المريخ أهون على الكاظمي من سفرة محفوفة بالمخاطر إلى واشنطن

رئيس الوزراء العراقي وهو يبدأ زيارته إلى الولايات المتّحدة حيث يخوض محادثات صعبة تشمل ملفّات حساسة ومواضيع محرجة، لا يُسقط من حساباته إمكانية أن تخذله إدارة جو بايدن في حال دفع بالمواجهة مع الحشد الشعبي حول قضية الوجود العسكري الأميركي على الأرض العراقية إلى أقصاها، ما يفسّر موقفه القريب من موقف الحشد والمعسكر الإيراني عموما بشأن هذه القضية، حفاظا على خطّ الرجعة في حال تركته واشنطن لمصيره كما فعلت مؤخرا مع الحكومة الأفغانية.

بغداد - بدا رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وهو يتوجّه إلى الولايات المتحدة لإجراء مباحثات مع الرئيس جو بايدن تشمل مواضيع حساسة على رأسها مستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق، مستوعبا للدرس الأفغاني كنموذج على عدم جدية واشنطن في دعم حلفائها واستعدادها لتركهم لمصيرهم عندما تقتضي مصلحتها ذلك.

وقال الكاظمي إن بلاده لم تعد بحاجة إلى قوات مقاتلة أميركية لمحاربة تنظيم داعش، وذلك في رسالة للأميركيين مفادها أنّ الحشد الشعبي لا يريد قواتكم على الأرض العراقية، وأنّه لا يستطيع تحدّي الحشد ومواجهة التيار القويّ للمعسكر الموالي لإيران من أحزاب وميليشيات شيعية كانت وراء استصدار قرار برلماني يطالب بإخراج القوات الأجنبية من البلاد.

وحصر رئيس الوزراء العراقي حاجة بلاده للقوات الأميركية في التدريب والمساعدة الاستخبارية، موضّحا أنّ الجدول الزمني لإعادة انتشار تلك القوّات سيعتمد على نتيجة المحادثات مع كبار المسؤولين الأميركيين هذا الأسبوع.

وإذ يضع كلام الكاظمي الضغط على الطرف الأميركي لإثبات جدّيته في دعم الحلفاء وحمايتهم في كل الظروف، فإنّه يتجنّب إغضاب الأحزاب والميليشيات الشيعية المتنفّذة ويحرص على ترك هامش للتفاهم معها آخذا في الاعتبار تخلّي إدارة بايدن عنه في حال فتح باب المواجهة معها بسبب وجود القوات الأميركية في العراق.

واتفقت بغداد وواشنطن في أبريل الماضي على انتقال القوات الأميركية الموجودة في العراق ضمن مهمة التحالف الدولي ضدّ داعش إلى مهمة التدريب وتقديم المشورة للقوات العراقية، ما يعني أن الدور القتالي الأميركي هناك سينتهي. لكن الطرفين لم يتوصلا إلى جدول زمني لاستكمال هذا الانتقال، وهو الموضوع الذي سيكون مطروحا في اجتماع الكاظمي وبايدن الاثنين في البيت الأبيض.

سلسلة الانتكاسات في الأوضاع الخدمية والصحية والأمنية تضعف ممانعة حكومة الكاظمي للضغوط قبيل الانتخابات

واستقر عدد أفراد القوات الأميركية في العراق عند حوالي 2500 فرد منذ أواخر 2020 عندما أمر الرئيس السابق دونالد ترامب بخفضها من ثلاثة آلاف جندي.

وحدّد رئيس الوزراء العراقي في مقابلة مع وكالة أسوشيتيد برس أجراها قاسم عبد الزهرة وسامية كلاب المطلوب من الوجود الأميركي في العراق بدعم القوات العراقية “في التدريب وتطوير كفاءتها وقدراتها وفي التعاون الأمني”.

ويتناغم هذا المنظور مع ما نقله المحلل السياسي الأميركي المختص بشؤون الشرق الأوسط ديفيد إغناتيوس في وقت سابق عن الكاظمي الذي قال إنّ “العراقيين مستعدون الآن للوقوف على أقدامهم وحماية أنفسهم. ولم نعد بحاجة إلى قوات قتالية أميركية، وفي الوقت نفسه سنظل بحاجة إلى الدعم الاستخباراتي والتدريب وبناء القدرات والمشورة”.

وتأتي زيارة الكاظمي إلى واشنطن في الوقت الذي تواجه فيه حكومته انتكاسة تلو الأخرى ما يقوض ثقة الجمهور فيها بشكل خطير ويجعلها في وضع أكثر هشاشة وأقل قدرة على مواجهة الضغوط المسلّطة عليها داخليا. كما تبرز الهجمات الصاروخية المستمرة التي تشنّها ميليشيات شيعية على مواقع تمركز القوات الأميركية في العراق وعلى سفارة الولايات المتّحدة في بغداد حدود إمكانيات الدولة العراقية في منع مثل تلك الأعمال، بينما أودت سلسلة من حرائق المستشفيات بحياة العشرات في ظل تصاعد أرقام الإصابة والوفاة بفايروس كورونا، جنبا إلى جنب تردي الخدمات وعلى رأسها خدمة تزويد السكان بالكهرباء في فصل الصيف الذي تبلغ فيه درجة الحرارة الخمسين مئوية، وكل هذا بينما لم يتبقّ سوى أقل من ثلاثة أشهر على الانتخابات المبكرة.

ويبقى مستقبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق متصدرا لجدول أعمال زيارة الكاظمي لواشنطن. وقد أعلن العراق انتصاره على داعش أواخر سنة 2017 بعد حرب مدمرة ودموية. وأصبح وجود القوات الأميركية المستمر قضية استقطاب داخل الطبقة السياسية في العراق منذ الضربة الجوية التي وجهتها الولايات المتحدة وقتلت الجنرال الإيراني القوي قاسم سليماني وقائد الميليشيات العراقية أبومهدي المهندس قرب مطار بغداد الدولي في يناير 2020.

ولتهدئة خطر عدم الاستقرار على نطاق واسع في أعقاب عمليات القتل المستهدف عقدت الولايات المتحدة والعراق ثلاث جولات على الأقل من المحادثات الاستراتيجية التي تركز على احتياجات بغداد العسكرية في القتال المستمر ضد داعش ولإضفاء الطابع الرسمي على جدول زمني للانسحاب، حيث لا يزال مقاتلو داعش قادرين على شن هجمات في العاصمة بغداد والتحرّك في مناطق وعرة بشمال العراق وغربه بعد أربع سنوات من هزيمتهم عسكريا.

وواجه الكاظمي ضغوطا كبيرة من الأحزاب والفصائل الشيعية للإعلان عن جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية. كما أدت الهجمات الصاروخية المستمرة وهجمات الطائرات دون طيار التي استهدفت الوجود العسكري الأميركي مؤخرا إلى زيادة الضغط على الحكومة.

ويساهم الإعلان عن انسحاب القوات القتالية في تهدئة الأحزاب الشيعية ولكنه لن يحمل تأثيرا يذكر على الأرض، فقد انتهت مهمة التحالف القتالية فعليا في نوفمبر الماضي عندما خفض البنتاغون القوات الأميركية في العراق.

وأكد مسؤولون من الولايات المتحدة والتحالف الدولي أن القوات الأميركية لم تعد ترافق القوات العراقية في المهام البرية وأن مساعدة التحالف تقتصر على جمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة ونشر التقنيات العسكرية المتقدمة. وشدد المسؤولون العسكريون العراقيون على أنهم سيبقون بحاجة إلى هذا الدعم في المستقبل.

وقال الكاظمي إن العراق لديه مجموعة من الأسلحة الأميركية تحتاج للصيانة والتدريب و”سنطلب من الجانب الأميركي مواصلة دعم قواتنا وتطوير قدراتنا”.

وتولى الكاظمي السلطة بصفته مرشحا توافقيّا بعد استقالة سلفه عادل عبدالمهدي إثر احتجاجات جماهيرية غير مسبوقة. وقدّم نفسه على أنه مناصر لمطالب المحتجين ووضع أجندة طموحة وعد من خلالها بمحاسبة قتلة النشطاء بمن فيهم قاتلو المعلق البارز هشام الهاشمي. وقال كثيرون إن اعتقال موظف بوزارة الداخلية متهم بقتل الهاشمي لم يكن كافيا لأنه لم يكشف عن الجماعة التي أمرت بقتله.

ويقول منتقدون إن الكاظمي لم يتحرّك بما فيه الكفاية، وقد بدت حكومته ضعيفة في غياب حزب يدعمه في البرلمان، بينما بدا هدف رئيس الوزراء الآني الوصول بالبلاد إلى الانتخابات القادمة المقررة لشهر أكتوبر القادم بأخف الأضرار، وهو يقرّ بأن بعض القوى تسعى بنشاط لتقويض تلك المحطّة السياسية الهامّة، موضّحا “نحن في وضع حساس ونحتاج الى تهدئة الوضع السياسي حتى نصل إلى الانتخابات”.

3