درس الاقتصاد الألماني المرحب باللاجئين

الاثنين 2015/09/14

يشتعل الجدل في أوروبا حاليا بسبب أكبر موجه لجوء تشهدها القارة منذ الحرب العالمية الثانية. وتكاد الدول الأوروبية تنقسم إلى 3 مجموعات، تعارض الأولى بشدة أي توطين للاجئين في أراضيها وتشعل صفارات الإنذار من تداعيات توطينهم في أراضيها، وهي في معظمها من دول وسط وشرق أوروبا، إضافة إلى بعض الدول الغربية مثل الدنمارك.

وهناك معسكر آخر تنقسم فيه آراء الطبقة السياسية، وأعلن على مضض قبوله باستقبال أعداد محدودة مثل بريطانيا، لكن معظم الأصوات فيها تتحدث عن العبء المالي والاقتصادي الذي ستتحمله من قبول تلك الأعداد.

وتنفرد ألمانيا لوحدها في تصنيف آخر حيث أعلنت استعداها لاستقال الجزء الأكبر من اللاجئين، وتحدث كثير من سياسييها واتحادات الصناعات الألمانية عن حاجة البلاد إلى اللاجئين لمواصلة انتعاش الماكنة الاقتصادية الألمانية.

بل إن الترحيب وصل إلى اتحاد كرة القدم ومعظم المحللين الاقتصاديين وكتل كبيرة من الخارطة السياسية.

الغريب أن يغيب في خضم هذا التجاذب، الحديث عن سر هذا الترحيب الألماني، وتفاصيل السياسة الاقتصادية، التي تمكنت في العقود الماضية من استيعاب ملايين الباحثين عن العمل من تركيا ودول أوروبا الشرقية وبقاع أخرى من العالم.

ويغيب الحديث عن الأسرار التي جعلت ألمانيا المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد الأوروبية، والمانح الأكبر لمساعدات إنقاذ الدول الأوروبية المتعثرة خلال أزمة الديون، من اليونان إلى إيرلندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا في أوقات الأزمات.

وهي البلد الأول عالميا في تحقيق أكبر فائض تجاري في العالم، يزيد على 20 مليار دولار سنويا، وهي تتمتع بأحد أدنى معدلات البطالة بين بلدان الاتحاد الأوروبي.

حين تتحدث بريطانيا عن العبء الاقتصادي لاستقبال اللاجئين، وعدم قدرتها على استيعابهم في سوق العمل الذي يعاني من البطالة المرتفعة، وأنهم سيرهقون برامج المساعدات الاجتماعية، فهي لا تجانب الحقيقة.

لكن الخلل في برامج المساعدات التي تشجع اللاجئين وكثير من البريطانيين على البطالة، لأنها توفر لهم مستويات معيشية أفضل من العثور على عمل، كما أن الخلل يكمن في عجز برامج التدريب والتوظيف على إيجاد عمل لهم.

في المقابل تملك ألمانيا برامج تدريب محكمة لتوفير الإيدي العاملة للماكنة الاقتصادية الجبارة، وتضع كل باحث عن العمل في البرنامج الملائم الذي يقوده للحصول على عمل.

ولا تنفصل برامج التعليم في ألمانيا عن المؤسسات الاقتصادية والمصانع، فالجامعات مثلا تخرج دفعات من الطلاب الذي يدرسون حاجات شركات محددة، لينخرطوا في تلك الشركات بعد التخرج، بدل الدراسات النظرية التي يتم اعتمادها في البلدان الأخرى ويصعب ملائمتها مع حاجات سوق العمل.

وتبذل الاوساط الاقتصادية في ألمانيا كل ما في وسعها لتسريع دخول آلاف المهاجرين يوميا إلى إلمانيا، في مسعى لإدخالهم في سوق العمل، الذي يعاني من نقص اليد العاملة، بل إنها تشكو من أن الاوساط السياسية تواكب المسألة بخطوات صغيرة فقط.

وقد أكد اتحاد الصناعات الألمانية الواسع النفوذ إن “ألمانيا إذا تمكنت من ادخال اللاجئين سريعا في سوق العمل، فإننا ستساعدهم وتساعد نفسها”.

وتعد ألمانيا الوجهة الاولى والمفضلة لآلاف السوريين ومن الجنسيات الأخرى، الذين يواصلون التدفق إلى اوروبا، وهي تنتظر وصول 800 ألف لاجىء جديد خلال العام الحالي.

وتتابع المؤسسات التي تعاني من نقص اليد العاملة، بمزيد من الاهتمام، المرشحين للحصول على اللجوء، وتعتبرهم هبة ثمينة في بلد يميل الى الشيخوخة.

ويقول اتحاد ارباب العمل إن المانيا تحتاج الى 140 ألف مهندس ومبرمج وتقني. وأشار إلى أن قطاعات الحرف والصحة والفنادق تبحث أيضا عن يد عاملة. ويمكن أن تبقى 40 ألف فرصة تدرب شاغرة هذه السنة.

وتتوقع مؤسسة بروغنوس نقصا يقدر بنحو 1.8 مليون شخص في ألمانيا بحلول عام 2020 في جميع القطاعات.

ينبغي لأزمة اللاجئين الحالية أن تدفع الحكومات الأوروبية لدراسة التجربة الألمانية للخروج من أزماتها الاقتصادية بشكل عام، سواء في ظل أزمة اللاجئين أو أي أزمات مستقبلية.

11