درس الصبوحة

الاثنين 2014/12/01

احتفلت برحيل الصبّوحة تنفيذا لوصيتها، وقضيت اليوم كاملا في الاستماع إلى أغانيها اللبنانية والمصرية، لم تكن صباح أكثر من فراشة عمّرت طويلا، وأكثر من شحرورة ملأت الدنيا من حولنا مرحا وبهجة وجمالا، كانت طيبتها بلا حدود حسب كل من يعرفونها، وكانت لها قدرة استثنائية على تجاوز عذاباتها الأسرية وخيباتها العاطفية ومشاكلها الصحية بالكثير من الحب، وحين أدركتها المنيّة أوصت بأن تزفّ إلى مثواها الأخير برقصة دبكة وليس بوصلة نواح.

كانت عظمة صباح في موهبتها وفي إصرارها على النجاح، و كانت كذلك في بساطتها، وتلقائيتها، وإيمانها بأن الإنسان يوجد في هذه الدنيا ليعيش وليتمتّع بالحياة طولا وعرضا، وليس ليتعذّب بما يستبطنه من الحقد والكراهية والأطماع، ولعل النموذج “الصبّوحي” يتناقض تماما مع نماذج نراها بيننا وحولنا، تعتقد أن سعادتها في شقاء الآخرين، ونجاحها في فشل الآخرين، ووجودها في إقصاء وإلغاء الآخرين من سجلّات الحياة تماما.

فعندما أعلن القضاء المصري السبت الماضي تبرئة مبارك والعادلي وعدد من القيادات الأمنية من تهمة قتل المتظاهرين، عمّ الحزن العميق نسبة مهمة من عرب الربيع المزعوم، وحلّق غراب الشؤم على إعلاميين ومثقفين ورجال سياسة وجماعات إخوانية وثورية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بمشاعر سوداء حاقدة، وانتشرت التعاليق على الشاشات والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي تعلن الحداد على “الثورة والثوّار” وكأن الأهداف الثورية لا تتحقق إلا بالتجريم والحكم بالإعدام أو السجن المؤبد أولا من باب التشفي والانتقام، وثانيا لضمان غلق ملفات القضية وعدم الكشف عن المجرمين الحقيقيين.

الغريب أن بعض هؤلاء، من الإسلاميين الذين يجهلون وربما يتجاهلون أصلا من أصول فقه القضاء وهو أن تبرئة مجرم أهون من تجريم بريء، وأن القاضي يحكم بما لديه من وثائق ومستندات وليس بما تنشره صفحات الإخوان ووسائل إعلام التنظيم الدولي من معطيات مفبركة تعتمد مبدأ الكذب المباح في ظروف الحرب، هذا على أساس أن الإخوان فعلا في حرب مع شعوبهم ومجتمعاتهم.

الوضع في مصر، لا يختلف عن الوضع في تونس، حيث بلغ الأمر بالبعض حد الإعلان صراحة عن تمنيه الموت للمرشح الرئاسي الباجي قائد السبسي، فالمشروع السياسي الإخواني لا يحتمل أن يصل “البجبوج” إلى سدة الرئاسة في قصر قرطاج بعد أن فاز حزبه بنصيب الأسد من مقاعد البرلمان.

رحم الله الشحرورة، فقد ودعتنا في زحمة الأحداث، وسافرت بعيدا دون أن ننتبه إلى أن نستفيد من فلسفتها في الحياة، وخصوصا في فهم قيمة الحب الذي يبدو أنه هجر الكثير من ديارنا كسرب حمام ترك مكانه لأسراب البوم والغربان التي لا تؤمن إلا بثقافة الضرب تحت الحزام وقطع الأعناق والأرزاق معا.

24