درس النسر

الخميس 2015/11/05

نحن الذين وُلدنا بالصدفة الخارقة أو لقدر استثنائي، نحن الذين لم يُقدّر لنا المكوث في سديم العدم، لم تكن فرصة وجودنا، وفق عملية حسابية مذهلة ودقيقة، تتعدى واحدا على ما لا نهاية. مقذوف بنا على حين غرة كالوميض الاستثنائي الخاطف، ولسنا نملك من هذا الأمر شيئا. لكننا نملك على الأرجح فرصة ولادة ثانية تكون باختيارنا وقدرتنا هذه المرّة.

لكن قلة من الناس الأحياء من تجرؤ على الولادة الثانية أو تتحمل مخاضها. كثيرون من تنتهي آمالهم وطموحاتهم واندفاعاتهم الحيوية قبل منتصف العمر، بل كثيرون من يولدون ميتين ويعيشون بلا حيوية ولا حياة. هنا تلعب مؤسسات التنشئة الاجتماعية دورا حاسما. لكن خلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية ثمة منظومات ثقافية ثاوية وهي الأساس.

عموما، حين يخفت الاندفاع الحيوي تتدهور قيمة الحياة وتدخل الحضارة طور الانحدار. لذلك، سبق لنا أن كنا حضارة قوية خلال ثلاثة قرون من العصر العباسي حين كنا أقوياء في اندفاعاتنا الحيوية المتجلية في الموسيقى والشعر وأدب الرحلات والعمران البشري كما في العلم والجبر والطب والفلسفة. حاجة الحضارة إلى إرادة الحياة هي درس نيتشه. لكنه الدرس العملي لأحد أشهر الطيور. فلنواصل الكلام.

النسر، ملك الطيور، رمز الحياة عند فيلسوف الطموح الإنساني نيتشه، أيقونة الحرية عند شاعر الإرادة أبي القاسم الشابي، رمز الكبرياء والشموخ والأنفة، لا يجاريه في الارتفاع طائر، لا يأكل إلا من صيده الخاص، فلا يطمع في صيد غيره ولا يأكل الجيف. الواضح أننا نحن البشر لدينا ما نتعلمه من النسر، ثلاث مسائل على الأقل: بُعد النظر، وعزّة النفس، والمسألة الثالثة هي الأهم: انقلاب منتصف العمر. كيف؟

يعيش النسر زهاء سبعين سنة (معدل عمر الإنسان في المجتمعات الفقيرة!)، وما أن يبلغ سنّ الأربعين، أي منتصف العمر، حتى يبدأ طور الانحدار: يضعف منقاره فلا يقوى على الافتراس، يخفّ ريشه فلا يقوى على التحليق، تلين مخالبه فلا يقوى على الصيد، ويصبح في النهاية أمام خيارين، إما أن يستسلم لليأس فينزوي في مكان قصي حتى ينقطع رجاؤه وينتهي عمله ويحل أجله وإما أن يقوم بعملية إعادة ولادة تكلّفه ألما عظيما يستغرق شهورا طويلة قبل أن ينبعث من جديد. كيف تتم العملية؟

لدى بلوغ سن الأربعين، وعندما يدركه الوهن، يصعد النسر إلى قمة صخرية شماء، فيضرب بمنقاره حتى يتكسّر وينتظر إلى أن ينبت له منقار جديد وتستغرق العملية أسابيع طويلة، ثم يقتلع مخالبه وينتظر حتى تنبت له مخالب جديدة وتستغرق العملية أسابيع أخرى، ثم ينتف ريشه وينتظر إلى أن ينبت له ريش جديد وكذلك تستغرق العملية أسابيع طويلة، وتكون هذه العملية الأخيرة هي الأشد إيلاما. وهكذا، بعد شهور طويلة عن مخاض الانبعاث يعود النسر إلى التحليق والقنص لمدّة ثلاثين عاما.

والحال كذلك، ليس مستغربا أن يكون النسر رمزا للحياة عند نيتشه، بل رمزا لإرادة الحياة التي بوجودها ترتقي المجتمعات وتصعد الحضارات، وبانعدامها تهبط المجتمعات وتنحدر الحضارات. وهذا درس بليغ.

24