درس برلين

الأحد 2017/08/13

بقدر ما نجحَتْ دينامية التحديث الشعري خلال العقود الأخيرة في فتح القصيدة العربية على أكثر من أفق إبداعي وجمالي، بقدر ما طردَتْ من حظيرة الشعر كل القصائد التي كانت تُكثّفُ الموقف الأيديولوجي وتردِّدُ الشعار السياسي وتنخرطُ بمباشرَةٍ فجّةٍ أحيانًا في التعبئة لصالح القضايا الوطنية والقومية.

وضعٌ استأنس به الشعراء على ما يبدو تمام الاستئناس. فحتى بعد عودة السياسة لتحتلّ واجهة المشهد العربي ظلَّ الشعراءُ حريصين على ألّا تطأ الأقدامُ الشّفّافةُ لقصائدِهم الهائمةِ في ملكوت الكشف والمحلِّقةِ في سماوات التخييل أرضَ السياسة وألّا تتورَّط في اضطراباتها واحتراباتها. وقد ساهم هذا الموقف الشعري “المُتعالي” في عزل القصيدة العربية الحديثة ومعها قبيلة الشعراء عن المجتمع والناس. هكذا صار من العادي وأنت تتجوّل في مختلف المهرجانات الشعرية العربية أن تجد نفسك أمام شعراء يقرؤون لبعضهم البعض في مجالس خاصة وصالات مغلقة بعدما أضحى جمهورُ الشعرِ مجرّدَ حكايةٍ تُروى.

التفكير في مأزق الشعر العربي إزاء القارئ والجمهور ألحّ عليَّ بشكل خاص وأنا أشاركُ في فعاليات الدورة الثامنة عشرة من مهرجان برلين الشعري في يونيو الماضي ضمن كوكبةٍ تضمُّ مئةً وسبعينَ شاعرًا حجّوا من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في هذا المهرجان الذي يُعتبر اليوم أهمّ وأكبر محفلٍ شعريٍّ في أوروبا.

لكن ما الذي يجعل جمهور الشعر الألماني يدفع ستين يورو للبطاقة الواحدة من أجل متابعة فعاليات المهرجان الذي تَواصل لتسعة أيام بلياليها؟ ما الذي يجعل الزوار الذين يُفضّلون انتقاء أمسيات أو ندوات بعينها يدفعون بين 6 و15 يورو لحضور النشاط الواحد؟ ثمّ ما سرُّ اكتظاظ المسارح والقاعات بالجمهور في زمن يتحدّثُ فيه الجميع عن تراجع الشعر وانحسار شعبيته؟

الجواب يكْمُن في أنّ منظّمي مهرجان برلين مؤمنون تمامًا بأنّ الشاعر لا يُقيم طوال الوقت داخل برجه الشعري، لذلك يبادرون عبر برمجة غنيّة متنوّعة إلى استدراجه للقاء جمهور الشعر على أرضية قضايا تؤرق المجتمع وتشغل بال الرأي العام. هكذا مثلًا طرَحَت الأمسية الكبرى التي دُعيتُ إلى المشاركة فيها ضمن اثنَيْن وعشرينَ شاعرًا من مختلف البلدان المجاورة للاتحاد الأوروبي سؤال أوروبا ومسألة العلاقة مع القارة العجوز.

كان الطلب محدّدًا منذ الدعوة المبكّرة التي توصّلنا بها أشهرًا قبل انعقاد المهرجان. حيث دعت إدارة المهرجان شعراء العالم العربي وبلدان “الاتحاد السوفييتي” سابقا والدول الأسكندنافية إلى كتابة شعرٍ يحاورُ أوروبا، يغنّي لها، يتغنّى بقيمها، يشتبك معها، يُسائلها، يخاصمها، يفضح ازدواجيتها، ينتقدها ويهجوها ولكن بحساسية الشاعر وبمنطق القصيدة. كنّا مطالبين باجتراح أجوبة شعرية على أسئلة حيّرَتْ السياسيين، وكنّا اثنين وعشرين شاعرًا نتناوب على منصة مسرح أكاديمية الفنون ببرلين ذاك المساء. كان المسرح مليئًا عن آخره بجمهور شغوف بقي إلى النهاية منصتا متفاعلا رغم طول الأمسية وتنوّع أصوات شعرائها ولغاتهم.

هكذا اكتشفنا في برلين أنّ الحوار السياسي والحضاري ممكنٌ عبر الشعر أيضًا، حتى في القضايا التي تواطَأْنا وزملاءَنا من شعراء قصيدة النثر العرب على تحييدها بالكامل، بل وطردها خارج مدار القصيدة الخالصة. ثمّ هل يمكن للشاعر العربي في الزمن الغوغائي الذي نعيشه أن يجازف بالإعلان عن موقفه النقدي من الفساد والاستبداد وعودة القبيلة والطائفة وسيادة منطقهما المعطوب المجافي لروح العصر؟ هل يمكنه كشاعرٍ أن يتحرّك في هذه المساحة الإشكالية دون أن تنال منه غوغائية الجمهور حتى قبل أن تمتدّ إليه يد السلطة؟ سؤال يبدو سياسيًّا في الظاهر. لكنّه شعريٌّ أساسًا. أوَلَيس الاشتباك مع القضايا الجوهرية من صميم مهمّة الشعراء؟

كاتب من المغرب

11