درس عامر توفيق

الاثنين 2014/02/24

أكدت مشاركة المطرب العراقي عامر توفيق في برنامج الهواة “أجمل صوت” أن الموهبة الحقيقية يمكن أن تنحت طريقها في الصخر، وأن تتحدى كل الحواجز والعراقيل لتعلن عن نفسها، وتثبت وجودها وتميزها، وكذلك انتصر عامر توفيق لحنجرته وصوته وطموحاته عندما تقدم للسباق وهو في الخامسة والستّين، جاعلا من نفسه علامة فارقة بين مواهب شابة أغلبها لا يتجاوز الثلاثين من عمره، وكاشفا لنا نحن الجمهور العريض أن الطالب قد يكون ألمع من الأستاذ، والموهبة المتقدمة للسباق قد تتجاوز بكثير لجنة التحكيم.

تربى عامر توفيق على فن محمد القبانجي وأبي العلاء محمد وزكريا أحمد وعبد الوهاب والقصبجي والسنباطي، وشارك في برنامج “ركن الهواة” في تليفزيون العراق خلال عقد السبعينيات، ثم أختير في العام 1979 ليكون مطرب مقام بفرقة الفنون الشعبية ذات الصولات والجولات عربيا ودوليا خلال عصرها الذهبي.

وككل ألوان الحياة، ذبل الفن في العراق بسبب الحرب والحصار والغزو والأزمات والطائفية والإرهاب، وهاجرت أغلب طيور الرافدين إلى فضاءات أوسع، وبقي عامر في بغداد، فهو لم يكن لديه جناحا الشهرة والمال ولا حتى جناح القدرة على الخروج من عباءة الطرب العراقي الأصيل، وبات يعمل موظفا في فرقة الفنون الشعبية بعد أن صمتت الحناجر، يعيش براتب بسيط لا يكفي لحماية كبرياء الفنان المستيقظ في داخله على الدوام، حتى أنه التجأ في العام 2011 إلى عرض عوده الشخصي للبيع.

ومع السلسلة الجديدة من برنامج “أجمل صوت” على قناة أم بي سي، فوجئ الفنان كاظم الساهر بمواطنه عامر توفيق وهو يتقدم للمنافسة، وقال عاصي حلّاني إنه يتعلّم من عامر توفيق، ولم يخف صابر الرباعي وشيرين عبد الوهاب إعجابهما بالصوت القادم من زمن الفن الجميل، وصفق الجمهور بحرارة للصوت البغدادي المشتعل من فتيل الأمل والطموح، وتعاطف المشاهد مع موهبة الخامسة والستين، وأثبت عامر توفيق أنه كان حالما وإيجابيا في طاقته وشعوره، لذلك ارتفع فوق حاجز السن، وجاء لينجح وسينجح، وقرّر أن يعوّض سنوات الخيبة وسيعوّضها، وآمن بأن الحياة تبدأ بعد الخامسة والستين وهاهي بدأت فعلا.

وهذا درس مرتبط أساسا بثقافة الحياة في مواجهة ثقافة الموت قدمه عامر توفيق مجانا لمن يحسبون أن الحياة تنتهي في سن التقاعد وربما قبل ذلك بكثير.

24