درس في التواضع

الجمعة 2015/06/12

لن أنسى أبدا درس التواضع الذي تعلمته من الناقد والمفكر الشهير الراحل إدوارد سعيد، وذلك في أول لقاء مباشر لي معه بجامعة وريك البريطانية في فترة التسعينات من القرن العشرين حيث حضرت ندوة دولية على مدى ثلاثة أيام كرست حول أعماله منها : “العالم، النص، الناقد”، و”بدايات”، و”الأمبريالية والثقافة” الذي صدر حديثا في تلك الأيام، و”الاستشراق” الذي اشتهر به عالميا.

لقد شارك وحاضر في تلك الندوة كثير من نجوم الفكر الغربي المعاصر منهم الفلاسفة أمثال ريتشارد رورتي البراغماتي الأميركي الجديد، وجوناثان راي الأنكليزي، والمفكر أرنست لا كلو الأرجنتيني الذي يعتبر أحد رواد الفلسفة الديمقراطية الراديكالية التي تحاول إعادة بناء الفكر اليساري الغربي المتأزم، على أساس توفير شروط بديلة تسمح بانبعاث الفعل الجماعي الموجه ضد اللاعدالة، وعلاقات التبعية التي تتحول إلى علاقات اضطهاد وسيطرة، وروبرت يانغ أستاذ النظرية النقدية في جامعة أكسفورد، والذي يعدّ من أبرز الجيل الثاني من النقاد المنظرين المطورين للدراسات الكولونيالية في المشهد الثقافي الغربي، وعدد كثير من الباحثين والنقاد الغربيين الكبار.

في تلك الندوة كان إدوارد سعيد المحتفى به يجلس دائما في الصف الأخير، ويستمع باهتمام وتقدير بالغين لكل محاضرة، أو مداخلة، أو تعليق صادر من المناقشين في القاعة. أثناء النقاش وذلك بعد إلقاء المداخلات لم يكن إدوارد سعيد يزاحم أو يقاطع أحدا من المتدخلين أما حين طلب منه التعقيب على ما قيل أو توضيح موقف فكري، أو نظرية من النظريات التي وظفها أو دحضها في مؤلفاته فكنا نراه يتدخل بهدوء ودقة وبموسوعية مشهود لها، وحين الانتهاء من تعقيبه كان يختم باستمرار بقوله “ما هذا سوى وجهة نظري” علما أن تعقيباته كانت عرسا فكريا بامتياز وينم كل ذلك عن تبحره في الفلسفة، ونظريات الثقافة، والسياسة، وتاريخ الأفكار.

أذكر أنه عندما ناقش إدوارد سعيد الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي حول منظوره البراغماتي مفندا الكثير من فرضياته قال له في النهاية “عزيزي رورتي، إن هذا الخلاف معك سيدفعني مجددا للتعلم منك”، وهنا قام الفيلسوف رورتي من مكانه واتجه إلى إدوارد سعيد وحضنه بمودة ثم قال للحضور بصوت مسموع : “إدوارد سعيد قد غيَرني وله فضل تعليمي”. وفي ليلة اختتام الندوة صعد إدوارد سعيد إلى المنصة بمفرده مصحوبا بوقاره وشموخه ثمَ راح يعزف على البيانو بمهارة الموسيقيين الكبار معزوفات استخدم فيها تقنية الطباقية، وكان يتوقف من حين لآخر ليشرح بنية وعمل هذه التقنية التي رحّلها من فضاء الموسيقى، ليشغلها بإبداعية في عالم النقد الثقافي الكولونيالي.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15