درس في المواطنة الفاشلة

الخميس 2015/06/25

لا يحتاج فشل العملية السياسية التي لفقها الأميركيون في العراق إلى برهان. كل ما حدث، ويحدث، في ذلك البلد المنكوب يشير بوضوح إلى ذلك الفشل الذي أنتج سياسيين فاشلين، لم يكونوا، أصلا، مستعدين لقيادة شعب صعب مثل الشعب العراقي.

ربما خدعتهم المظاهر. خدعهم الجهل والفقر والعوز والحرمان ليوغلوا في طمأنينتهم. وهي طمأنينة كاذبة، حتى وإن كانت عناصرها تستمد قوتها من اللعبة الطائفية التي جعلت مـن عرب العراق فريقين، صار الواحد منهما ينظر إلى الآخر بريبة.

فلا أحد في العراق يثق بأحد. حتى ضمن الطائفة الواحدة تصنع الأكاذيب شروخا لا يمكن إنكار رؤيتها بالعين المجردة. وإذ صارت الكذبة تنتج كذبة أكبر منها وتمهد لها، فقد صار البلد كله عبارة عن عرش ورقي كاذب، يمكن توقع انهياره بالكامل في أي لحظة عصف.

بالنسبة إلى المحتل الأميركي فقد كان موفقا في اختيار الطاقم السياسي الذي سلمه الحكم. غير أن سلطة الاحتلال لم تكن مخيرة في نوع العراقيين الذين اختارتهم واجهة لمشروعها، فلا أحد من ذوي العقل والكفاءة والضمير والشعور الوطني كان في إمكانه أن يمد يده إلى المحتل.

هذا أولا، وثانيا لأن الوصفة الأميركية لبناء عراق جديد، كانت تحتوي على الكثير من السموم، التي يأبى الوطنيـون الشرفـاء أن يقدموها إلى أهلهم، باعتبارها هبـة حرية.

ولأن المشروع الأميركي عسير الهضم، فإن الطاقم السياسي الذي تم تكليفه بتنفيذ الفقرات التي لم ينفذها الأميركيون بأيديهم ارتأى أن يجتهد في إطار دائرة فشله، فكان أن تحول من محاولة إدارة الدولة إلى التفرغ لإدارة أزمة طائفية مفتعلة بين فرقاء، صار كل واحد منهم يجر طرف القماشة المهترئة إلى الجانب الذي يقف فيه، رافعين شعارات الحرص على الطائفة، فيما هم، في الحقيقة، يشكلون فريقا واحدا، متناغما في أدائه، منعما بثروات خيالية هبطت عليه فجأة مثلما المن والسلوى.

كانوا ممثلين في مسرحية فوجئ مؤلفها بقدرتهم على الخروج عن النص الذي كتبه من أجل أن يتماهوا مع ذلهم وهوانهم وعار خيانتهم. كانوا مهرجين أكثر مما تتطلب أدوارهم. ولأنهم وضعوا الوطن على الرف، فلم تعد لديهم قدسية لشيء.

حين أضفوا على وجودهم في السلطة طابعا دينيا، تناغما مع إضفاء هالة القدسية على المرجعية الدينية فإنهم نجحوا في العبث بالدين، فجعلوه عنصر فرقة لا عنصر جمع، فصار عرب العراق سنة وشيعة، ولا أحد يذكر أنهم مسلمون.

أما عراقية الفرد فقد تم غمرها بالمياه الآسنة. وهكذا صار العراق مختبرا لفشل المواطنة. صار يمكن تصنيف كل العراقيين ضمن فئة الـ“بدون”. وهي فئة لا تفتقر إلى دينها أو مذهبها، بل تفتقر إلى الهوية التي تجمعها بفئات المجتمع الأخرى.

أكان سياسيو العراق الجديد دهاة إلى درجة أنهم استطاعوا أن يخيّموا بفشلهم على المجتمع، حيث لم يعد الحديث عن دولة فاشلة ممكنا من غير المرور بذلك المجتمع الفاشل الذي تدير تلك الدولة شؤونه؟

شيء من هذا القبيل يمكن تخيل وقوعه في العراق الجديد. هي نتيجة مدهشة حتى بالنسبة إلى صناع القرار في واشنطن. أبهذا اليسر يتخلى الناس عن مواطنتهم وهي علامة انتمائهم إلى العصر الحديث؟

لقد أدرك سياسيو العراق الجديد في حمى فشلهم أن الوطنية هي الصخرة التي يجب أن يحطموها بماكنة فسادهم التي صارت تضخ الأموال السحت، من أجل أن يفقد الناس توازنهم فتختلط الأمور عليهم ليكونوا في ما بعد تحت السيطرة. ولكن أملا في استمرار الخطيئة هو نوع من الغباء.

صحيح أن سياسيي بغداد مطمئنين إلى حماية أميركية – إيرانية، في ظل احتقان طائفي صنعوه بأنفسهم، غير أن فشلهم في إدارة بلد مثل العراق قد يقودهم إلى الانتحار، وهو أمر صحيح أيضا. في كل الأحوال فإن أولئك السياسيين لن ينجحوا في النجاة من الطوفان.

كاتب عراقي

8