درس ينبغي أن نتعلم منه

السبت 2018/02/03

هو الدرس الذي سميته يوماً درس ابن حزم الأندلسي، الشاعر والمفكر والفقيه، المولود في العام الميلادي 944، بقرطبة، وكان والده من وزراء المنصور بن أبي عامر، ومن ثم المظفر عبدالملك بن أبي عامر، وعرف والده برجاحة العقل وحسن الرأي وسعة الثقافة، غير أنه عاش في مرحلة اتسمت بالفوضى والصراعات الداخلية والانشقاقات، وهو معلم ابن حزم الأول، كما أشار إلى ذلك في كتاباته.

مات الأب وابن حزم دون العشرين من العمر، فتولى أمر أسرته ومسؤوليات انتساب والده إلى دولة العامريين، وهذا ما جرَّ عليه وبال نتائج الصراع السياسي، فاضطر إلى مغادرة قرطبة ليقيم في المرية. واعتقل أكثر من مرة وأبعد إلى حصن معزول في إحدى نواحي اشبيلية.

كان في الفقه على رأس المدرسة الظاهرية، حيث قال عنه ابن قيم الجوزية في كتابه “روضة المحبين”: كان على يبسه وقسوته في التمسك بالظاهر وإلغائه للمعاني والمناسبات والعلل الشرعية، له إلماع في باب العشق والنظر وسماع الملاهي، فوسَّع في هذا الباب جداً.

من الواضح أن ابن قيم الجوزية يشير إلى كتاب “طوق الحمامة في الألفة والألاف” وهو من أشهر تآليف الحب في الثقافة العربية، إن لم يكن أشهرها من دون منازع، وكان جديداً في تناول موضوع كتب عنه الكثير من التآليف، وقيل فيه الكثير من القول، فلم يتبع فيه مقولات الأفلاطونيين ولم يحاصر مقولاته بما هو حسي من مقولات العشق والغرام.

ولابن حزم تآليف مهمة، منها “الفصل في الملل والأهواء والنحل” و”الإحكام لأحوال الأحكام”، لكنها لم تبلغ ما بلغه طوق الحمامة من شهرة وذيوع صيت وتواصل حضور، فما زال إلى يومنا هذا يُقرأ ويُدرَّس ويحقق ويعاد نشره، وقد ترجم إلى عدد من لغات العالم، فترك أثرا في الثقافات الأخرى.

لقد لفت نظري ما جاء في نشرة تونسية لطوق الحمامة، حيث حققه وقدم له صلاح الدين القاسمي، وجاء فيها: بدأ ابن حزم “طوق الحمامة” وهو في حالة نفسية جد عويصة، شعوراً بالغربة ومقتاً للسياسة واشمئزازاً من المصير واجتراراً لماضي شبابه السعيد، يستعيض به عن واقعه المرير.

في ظل هذه الأوضاع كتب تحفته النادرة، بمعنى أنه لو كان في ضجيج مشاغل السياسة وطموحاتها، لما حقق هذا الإنجاز الذي ظل مرتبطا باسمه، واستمر يتجدد بمرور الزمن وتوالي المتغيرات، وهكذا خطر لي أن أسميه، درس ابن حزم.

وأتساءل، إن كانت رواية كون ابن حزم كتب طوق الحمامة نزولاً عند رغبة صديق حميم صحيحة؟ كانت قد جمعته وإياه أواصر من ذكريات الماضي ومحبة الصبا والمشاركة في الحلو والمر، إذ اقترح عليه أن يصنف له رسالة في صفة الحب وأسبابه وأعراضه، وقد استجاب لطلب صديقه، وهو كما يقول: ذهني متقلب وبالي منهضم مما نحن عليه من نبو الدار والجلاء عن الأوطان وتغير الزمان ونكبات السلطان وتغير الإخوان وفساد الأحوال وذهاب الوفر وخروج الطارف والتالد واقتطاع مكاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد وذهاب المال والجاه والفكر في صيانة الأهل والولد.

وحين كتب سفره الفريد في مثل هذه الأوضاع، فليس لأنه استجاب لطلب صديق، بل وكما يذهب صلاح الدين القاسمي: لا ريب أن هذا الاقتراح، صادف لديه هوى مكيناً، فحرك فيه السواكن وبعث مطوي الشجون وأنساه عسر شؤونه.

وأخيراً، أتمنى لو فقه درس ابن حزم هذا، كثيرون من أصحابنا وأحبتنا، من القادرين على العطاء المعرفي، وقد شهدناهم في حالين، حال الانصراف إلى الوظيفة وكأنها الحياة، وحال التأسي على ما كان منها، بعد انصرافها عنهم، وقد حاولت مع غير واحد منهم، فما استجابوا ولا سمعوا.

كاتب عراقي

14