درصاف القنواطي أول امرأة عربية تحكّم مباريات الكرة الرجالية

الحَكمة الشابة تؤكد أن تونس تعتبر رائدة في اختصاص كرة القدم النسائية مقارنة بأغلب الدول العربية، مشيرة إلى أن تجربة استحداث دوري نسائي محترف بدأت منذ سنوات عديدة.
السبت 2019/07/06
صافرة نسائية تونسية في ملاعب الدوري الممتاز

 لم يعد الإبداع والتألق في الحقل الرياضي حكرا على الرجال. وباتت للمرأة مكانة متقدمة حتى أصبحت تحقق نتائج لافتة ومميزة للغاية. اقتحمت كل الألعاب والاختصاصات الرياضية، وأصبحت تمارس الرياضات القتالية مثل الملاكمة وتتفنن في تقديم أفضل العروض. كرة القدم أيضا شهدت إقبالا غير مسبوق من قبل السيدات، لتعرف كرة القدم النسوية تطورا غير مسبوق منذ عقود وهو ما فرض تنظيم بطولات قوية تضاهي قوتها بطولات كأس العالم الخاصة بمسابقات الرجال.

ولعل ما حققته اللاعبة الدولية البرازيلية مارتا يؤكد ذلك، فخلال منافسات كأس العالم لكرة القدم للسيدات باتت صاحبة الرقم القياسي في عدد الأهداف المسجلة في هذه البطولة، لقد سبقت الهداف التاريخي الألماني ميروسلاف كلوزه بهدف ليصبح في رصيدها 17 هدفا سجلتها في دورات متتالية منذ سنة 2003.

تونسيات حول العالم

في رياضة كرة القدم التي يعشقها مئات الملايين حول العالم ظلت النتائج النسوية التونسية دوليا متواضعة، ورغم وجود عدد كبير من الفرق النسائية وإحداث منتخب نسوي إلا أن الصعوبات والعراقيل وقلة الدعم ساهمت في تواضع هذه النتائج، بالرغم من تزايد عدد الفتيات اللواتي يمارسن هذه الرياضة.

غير أن الحدث الأبرز في هذا السياق تحقق مؤخّرا، فقد تم تكليف الحكمة التونسية درصاف القنواطي بإدارة مباراة ضمن منافسات الدوري الممتاز للرجال جمعت بين الترجي التونسي والنادي البنزرتي.

القنواطي التي تعتز بمهمتها الفريدة تقول لـ"العرب" إنها لطالما حلمت بهذه اللحظة، وتضيف "أنا فخورة للغاية بهذا الأمر، وبلا شك سيحفزني على العمل أكثر حتى أصبح من بين أفضل الحكمات في العالم"
القنواطي التي تعتز بمهمتها الفريدة تقول لـ"العرب" إنها لطالما حلمت بهذه اللحظة، وتضيف "أنا فخورة للغاية بهذا الأمر، وبلا شك سيحفزني على العمل أكثر حتى أصبح من بين أفضل الحكمات في العالم"

لقد أصبحت القنواطي أول فتاة تونسية وعربية وأفريقية تنال هذا الشرف. وقد أكدت أن المرأة التونسية قادرة على أن تقتحم كل المجالات وتبرع فيها، فاختيارها لم يكن مجاملة أو قرارا اعتباطيا، بل لكونها حكمة دولية متميزة تألقت على امتداد المواسم الأخيرة في إدارة مباريات الدوري المحلي للكرة النسائية. لقد قطعت المرأة التونسية في درب التألق الرياضي أشواطا تذكر عربيا وعالميا.

واقتحمت كل الاختصاصات، فتم ابتعاث فرق مختصة في شتى الرياضات الفردية منها والجماعية. وفي تونس توجد فرق نسائية مختصة في الرغبي وغيره، وفي الملاكمة النسائية، خاضت بطلات تونسيات بطولات عالمية وتألقن دوليا، آخرهن الملاكمة أحلام غريسات التي فازت بعدد هام من البطولات الدولية. ومثلها قبل سنوات قليلة سارت العداءة حبيبة الغريبي على منوال البطلين الأولمبيين التونسيين العداء محمد القمودي والسباح أسامة الملولي، ففي دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت في لندن سنة 2012 رفعت هذه العداءة راية بلادها عاليا بعد أن توجت بالذهب واعتلت منصة التتويج، لتصبح بذلك أول رياضية تونسية تنال هذا الشرف، وتكون بالتالي ضمن أساطير الرياضة التونسية خاصة وأنها تألقت أيضا في عدة بطولات عالمية.

أما دورة ريو 2016 للألعاب الأولمبية فقد عرفت صحوة غير مسبوقة للرياضة النسائية في تونس، حيث تمكنت لاعبة المصارعة مروى العامري ولاعبة المبارزة إيناس البوبكري من تأكيد تألق الغريبي بعد صعودهما على منصة التتويج وتسجيل اسميهما ضمن خانة الحائزين على ميداليات أولمبية.

وتوالت نجاحات المرأة الرياضية التونسية، ففضلا عن اقتحامها كل المجالات والاختصاصات الرياضية، ما فتئت تحقق نتائج جيدة  سواء محليا أو دوليا، وتكفي الإشارة إلى لاعبة التنس العالمية أنس جابر للتأكيد على ذلك، فهذه اللاعبة غالبا ما تشارك في البطولات الدولية الكبرى في اختصاصها وهي تحتل مركزا متقدما في تصنيف محترفات التنس في العالم.

تقول القنواطي لـ”العرب” في حديثها عن تكليفها بتحكيم مباريات الرجال “لطالما حلمت بهذه اللحظة. كنت أتوقع منذ فترة أن يتم منحي شرف قيادة إحدى مباريات دوري الرجال، وهو ما حصل فعلا، أنا فخورة للغاية بهذا الأمر وبلا شك سيحفزني على العمل أكثر حتى أصبح من بين أفضل الحكمات في العالم”.

وتضيف “أثبتت المرأة التونسية أنها قادرة على التألق في شتى المجالات والاختصاصات. والمرأة الرياضية في بلادنا كان لها شرف التألق في عدة بطولات عالمية، فالنجاح الرياضي ليس حكرا على الرجل فحسب، لذلك أعتقد أن تكليفي بتولي مهمة إدارة إحدى مباريات الدوري الممتاز للرجال سيفتح الباب على مصراعيه أمام بقية زميلاتي في المستقبل القريب”.

مناطق محرّمة

إنجازات الرياضة النسوية في تونس تؤكد أن الرياضة مرآة عاكسة تكشف المكانة المرموقة التي تحظى بها المرأة التونسية. فقد تضاعف عدد الفتيات اللواتي يمارسن الرياضة بشكل احترافي
إنجازات الرياضة النسوية في تونس تؤكد أن الرياضة مرآة عاكسة تكشف المكانة المرموقة التي تحظى بها المرأة التونسية. فقد تضاعف عدد الفتيات اللواتي يمارسن الرياضة بشكل احترافي

القنواطي ليست استثناء في هذا المجال، فهي تعد من بين عدد كبير من الفتيات اللواتي اخترن خوض غمار هذه التجربة وارتداء “الزي الأسود” الخاص بالحكام. وقبل سنوات معدودة فتح الاتحاد التونسي لكرة القدم الباب أمام كل فتاة ترغب في أن تصبح حكمة، وقد نظمت دورات تدريبية مكثفة لفائدة كل من ترغب في مزاولة هذا الاختصاص، وعلى امتداد المواسم الماضية تم تكوين عدد كبير من الحكمات الشابات قبل أن تعهد لهن مهمة إدارة مباريات كرة القدم النسائية.

ذلك القرار ساهم في بروز جيل جديد من الحكمات اللواتي نجحن في تطوير أدائهن قبل أن يصبحن مؤهلات لإدارة مباريات دولية خارج تونس. كما قال الحكم الدولي السابق هشام قيراط، رئيس لجنة الحكام التابعة لاتحاد الكرة، إن خطة النهوض بواقع التحكيم النسائي بدأت تعطي ثمارها إذ برزت عدة حكمات وأصبحت بمقدورهن إدارة أقوى المباريات.

وأشار إلى أن قرار تعيين القنواطي لإدارة مباراة الجولة الختامية من الدوري الممتاز للرجال بين الترجي والنادي البنزرتي كان مدروسا، قائلا في حديثه لـ”العرب” “لقد برهنت درصاف القنواطي أنها حكمة متميزة وبمقدورها إدارة مباريات رجالية بامتياز، لذلك وقع الاختيار عليها لتكون بذلك أول حكمة تدير إحدى مباريات الدوري الممتاز للرجال، وما هو مؤكد أن هذه الخطوة لن تكون الأخيرة”.

صحيح أن إدارة القنواطي لمباراة رجالية في الدوري التونسي الممتاز شكّلت الحدث الأبرز خلال الجولة الختامية، خاصة في ظل غياب المنافسة بما أن تلك المباراة خصصها الترجي الرياضي للاحتفال بحصوله على لقب الدوري، غير أن ذلك لا يعد أمرا “مناسباتيا”، فغياب الرهان عن تلك المباراة لا يجب أن يكون السبب الوحيد لمنح الحكمة الدولية شرف دخول تاريخ التحكيم النسائي في تونس والوطن العربي، ولعل تأكيدات وديع الجريء رئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم تثبت هذا الأمر، حيث أشار إلى وجود برنامج واضح المعالم يهدف إلى دعم مكانة التحكيم النسائي ووضعه المختلف في المستقبل. وقد أضاف قائلا “نهدف بالأساس إلى تطوير واقع الكرة النسائية في تونس، نريد تكوين جيل جديد قادر على أن يتألق خارج تونس، والنهوض بالكرة النسائية لا يتم إلا عبر تطوير كافة المنظومة التي تشمل أيضا التحكيم النسائي”.

وشدد على أن تعيين القنواطي لإدارة مباراة رجالية لا يجب أن يكون استثناء، مبرزا أنه قد يقع في المستقبل القريب منح الثقة لعدد آخر من الحكمات لإدارة مباريات قوية وهو ما سيساهم في تحسين مستواهن وقدراتهن.

هي إذًا قاعدة وليست استثناء حسب تأكيدات رئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم، فالمرأة التونسية أثبتت أن بمقدورها أن تنال أعلى المناصب وتتولى أصعب المهام. لقد استفادت من الظروف الملائمة والقوانين التي تجعلها في مرتبة مساوية لمرتبة الرجل، إذ لم تعد هناك “مناطق محرمة” يصعب على المرأة في تونس ولوجها، ولم تعد هناك مسافات تبعدها عن ممارسة كافة حقوقها وفق أطر واضحة المعالم.

راضية الجربي رئيسة الاتحاد التونسي للمرأة، أبدت اعتزازها بقرار تكليف حكمة تونسية لإدارة مباراة كرة قدم رجالية ضمن الدوري الممتاز. ووصفت هذا الحدث بأنه تكريس لمبدأ التساوي والتشاركية بين الرجل والمرأة، مؤكدة أن المعايير الأساسية المعتمدة ترتكز أساسا على مفهوم الكفاءة والجدارة بعيدا تماما عن التمييز غير المبرر بين الرجل والمرأة.

وأشارت في تصريحها لـ”العرب” قائلة “قبل كل شيء، فإن تعيين امرأة تونسية لإدارة مباراة رجالية في كرة القدم ضمن الدوري الممتاز، يؤكد المكانة المرموقة التي أصبحت تحظى بها المرأة في تونس، لقد أثبتت دوما أنها قادرة على تحقيق أفضل الإنجازات بفضل إرادتها القوية وإدراكها التام أنها مؤهلة لتتساوى مع الرجل”.

وأضافت الجربي أن “وجود امرأة شابة تمثل نساء تونس على أرض ملعب من أجل إدارة مباراة قوية يثبت بحق وجود وعي كبير لدى الجميع بأن المرأة لديها كل المقومات التي تجعلها تبدع وتتألق في شتى المجالات، والأمر المؤكد هو أن هذا التعيين لم يأت صدفة بل بسبب المستوى الجيد الذي بلغته هذه الحكمة”.

ظاهرة محرّضة

اختيار القنواطي كأول فتاة تونسية وعربية وأفريقية تحكّم مباريات رجالية لم يكن مجاملة أو قرارا اعتباطيا، بل لكونها حكمة دولية تألقت في إدارة مباريات دوري الكرة النسائية
اختيار القنواطي كأول فتاة تونسية وعربية وأفريقية تحكّم مباريات رجالية لم يكن مجاملة أو قرارا اعتباطيا، بل لكونها حكمة دولية تألقت في إدارة مباريات دوري الكرة النسائية

 وقد كان الاتحاد التونسي للمرأة دوما سباقا لدعم المرأة الرياضية، والأكثر من ذلك أنه يساند كل المتألقات في شتى المجالات وخاصة الرياضية منها. كما ذكرت الجربي التي كشفت أن لدى الاتحاد التونسي للمرأة فريقا نسائيا متخصصا في كرة القدم، أن هذا الفريق تمكن من التألق وغالبا ما يحقق الألقاب والبطولات حيث أحرز ثنائي الدوري والكأس هذا الموسم.. الاتحاد حريص دائما على تكريم المتألقات في الحقل الرياضي، وقد قام سنة 2017 بتكريم حكمة تونسية مختصة في إدارة مباريات الملاكمة.

وقد برزت ظاهرت القنواطي أكثر من خلال الترحيب الكبير الذي لاقته من مختلف فعاليات المجتمع، فقد عبّرت نائلة الزغلامي الكاتبة العامة لجمعية النساء الديمقراطيات، عن ارتياحها لقرار تكليف حكمة تونسية شابة بإدارة مباراة كرة قدم رجالية بين فريقين ينتميان إلى الدوري الممتاز.

لكن في المقابل وصفت هذا الحدث بأنه بديهي ومنتظر بالنظر إلى المكانة المرموقة التي أصبحت تحتلها المرأة التونسية التي ناضلت كثيرا من أجل نيل كافة حقوقها وفق ما يضمنه القانون. وشددت في حديثها لـ”العرب” على ضرورة تمكين المرأة من كافة مكاسبها وحقوقها مؤكدة أنه لا يجب النظر إلى قرار تعيين الحكمة درصاف القنواطي على أنه حدث استثنائي.

ورغم المكاسب العديدة التي منحت للمرأة، إلا أن نظرة المجتمع لم تتغير كثيرا تجاهها، وتفسر الزغلامي  ذلك بالقول “لو أدار رجل مباراة كرة قدم نسائية لتم التعامل مع الأمر دون أي اهتمام، لكن مع حصول العكس فإن الأمر أصبح محور اهتمام كبير للغاية، والحال أنه يتعين التعامل معه بكثير من الموضوعية”.

وأوضحت أنه يتوجب تغيير نظرة الرجل نحو المرأة وتطويرها وتنمية الوعي الفردي والجماعي، ولا يتأتى ذلك إلا عبر التعامل مع المرأة بوصفها شريكا فاعلا ومؤثرا وليس بوصفها “عنصرا” مكملا يحتاج إلى المساندة والحماية. وأضافت أن أغلب تتويجات الرياضة التونسية خلال السنوات الأخيرة تحققت عبر المرأة الرياضية، مستشهدة بما حققته حبيبة الغريبي وإيناس البوبكري ومروى العامري في الدورتين الأخيرتين للألعاب الأولمبية.

الحكمة الشابة تؤكد أن تونس تعتبر رائدة في اختصاص كرة القدم النسائية مقارنة بأغلب الدول العربية، مشيرة إلى أن تجربة استحداث دوري نسائي محترف بدأت منذ سنوات عديدة، ورغم بعض المشكلات المتعلقة أساسا بغياب الدعم المالي كانت كرة القدم النسائية في تونس الأفضل في أفريقيا خاصة في ظل وجود لاعبات لديهن كل مقومات الموهبة والإرادة لتحقيق نتائج رائعة.

القنواطي أول فتاة تونسية وعربية وأفريقية تحكّم مباريات رجالية
القنواطي أول فتاة تونسية وعربية وأفريقية تحكّم مباريات رجالية

 

12