دروز سوريا: ما أمر وما أصعب أن تكون حياديا في هذه الحرب

الدروز يقارنون الآن كلمات سلطان الأطرش بالجهاديين الذين دمروا مدينة تدمر وأعدموا المسيحيين واستعبدوا اليزيديين.
الجمعة 2018/05/04
الدروز بين الرايتين الوطنية والروحية

السويداء (سوريا) - كثيرا ما يتوقف الدارسون والمؤرخون والمحللون عند طائفة “الموحدون الدروز” ويولونها اهتماما خاصا لما لأتباع هذه الطائفة ـ التي يختلف في تصنيفها بين المذهب والديانة ـ من خصوصية في المعتقد الديني والولاء السياسي في نظر الكثيرين.

لكن الذي يعرفهم عن قرب في محافظة السويداء السورية (على بعد سبعين ميلا جنوب دمشق) أو منطقة الشوف في لبنان أو حتى الزرقاء في الأردن أو مجدل شمس في الجولان السوري المحتل ومناطق داخلية من إسرائيل، سرعان ما يحس بالألفة بينهم لما يتميزون به من طيب المعشر وحسن الكرم والضيافة، متباهين في ذلك بأصلهم العربي، إذ هم من ” بني معروف” المعروفين بالفروسية وإغاثة الضعفاء.

وربما، وبسبب ذلك، عرّفهم المتخصصون في التاريخ السياسي للمنطقة بأنهم من أكبر المجموعات السكانية تمردا في تاريخ سوريا، إذ أشعل أهم رموزهم القيادية، سلطان باشا الأطرش، الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي سنة 1925 واجتمع تحت إمرته قادة من مختلف الطوائف في دمشق وحلب وجبال العلويين بالساحل السوري.

لم تفتر حماسة الدروز في الذود عن كرامتهم، ولم تمنع خصوصيتهم المذهبية من اعتزازهم بالانتماء لسوريا كوطن لجميع أطيافه، ذلك أنهم وبعد استقلال البلاد سنة 1946، عارضوا أغلب الأنظمة الانقلابية رغم شعاراتها العروبية، لكنهم ـ وفي غالبيتهم ـ اختاروا النأي بالنفس إثر انتفاضة مارس 2011 والتي تصنف ضمن ما يعرف بالربيع العربي دون أن يمنع ذلك انخراط قسم كبير من شباب الدروز في المعارضة المدنية، وخصوصا الفئة المحسوبة على الفن والثقافة مثل المغني الملتزم سميح شقير، والمغنية الأوبرالية لبانة قنطار. الزعامة الروحية للدروز يمثلها شيخ عقل، مرتبط بمجلس أعلى للطائفة ككل، وهو بمثابة المرجعية العليا. وتنسق هذه الزعامة مع المرجعية السياسية التي يمكن القول بأن أكبر ممثليها هو وليد جنبلاط، زعيم الحزب الاشتراكي التقدمي في لبنان.

وليد جنبلاط دعا “إخوانه” إلى “الانضمام إلى السوريين الذين يصنعون بالدم معارك بطولية ضد الاضطهاد بشكل يومي”، معللا ذلك بقوله “الدروز لا يعيشون في بحر علوي بل يعيشون في بحر سني.

هذا التفسير يوصف لدى مراقبين بالبراغماتية السياسية ويؤيده العديد من أبناء الطائفة وشيوخها، ولكن دون اللجوء إلى الاتكاء على أي نوع من المظلومية كما هو الحال لدى أقليات مذهبية وطائفية أخرى، ذلك أن الدروز شديدو التفاخر ببطولاتهم وملاحمهم منذ الاحتلال العثماني. كما أنهم كثيرو الاعتزاز بأصلهم كمجموعة ذات طابع جبلي زراعي.

وتعد عاصمتهم السويداء إحدى المناطق القليلة التي لم تدمرها 7 سنوات من الحرب. ويقدر عدد اللاجئين إلى المناطق الدرزية بعشرات الآلاف، حيث ينعمون بهدوء نسبي لم يجدوه في مناطقهم ذات الغالبية السنية.

الحياد إزاء الحالة السورية لم يكن سهلا لأقلية يحيط بها مقاتلون من الجماعات الإسلامية، وتسكن منطقة متاخمة للحدود الأردنية عبر منها لاجئون إلى الأردن.

Thumbnail

ويعيش الدروز على جانبي مرتفعات الجولان التي تحتل إسرائيل نصفها منذ عام 1967، وحسب المسؤولين الدروز في السويداء شجعهم بعض الدروز الإسرائيليين على الانفصال عن نظام بشار الأسد وإقامة منطقة تتمتع بالاستقلال الذاتي شبيهة بالمنطقة الكردية المدعومة من الولايات المتحدة في الشمال الشرقي السوري.

وقال أحد المصادر إن زعيما دينيا درزيا من إسرائيل، اسمه الشيخ موفق طريف، عرض عليهم عشرين مليون دولار لإعلان جمهورية درزية، يقول “أعطانا المال لكننا استعملناه لشراء أسلحة للدفاع عن أنفسنا ولم ننفصل.

صورة الزعيم سلطان الأطرش أو “الباشا” كما يلقبه كل الدروز تحتل صدر كل مضافة (صالون بيت) تدخلها في السويداء بما في ذلك مسيحيو المدينة الذين بدأ تعدادهم بالتناقص.

 قاد الأطرش، شعبه ضد الإمبراطورية العثمانية في سنة 1916 ورفع علم القومية العربية فوق دمشق عندما طردت القوات البريطانية والعربية غير النظامية بصحبة لورانس العرب الأتراك في سبتمبر 1918.

كما قاد الثورة السورية الكبرى التي كادت تنهي الحكم الفرنسي على سوريا في سنة 1925 لكنها أدت إلى دمار هائل. فر الأطرش من البلاد لكنه عاد ليضايق الحكومات الفرنسية والسورية في وقت لاحق. ويحسب له أنه لم يكن طائفيا ولم يسع لتوريث الزعامة داخل البيت الدرزي.

كتب سلطان باشا رسالة إلى أتباعه خلال ثورة عام 1925 جاء فيها “من الضروري عدم تدمير الملك العام. ومن المهم عدم القتل”. ويقارن الدروز الآن كلماته بالجهاديين الذين دمروا مدينة تدمر الأثرية وأعدموا المسيحيين واستعبدوا اليزيديين.

كان العائق الآخر أمام مشاركة الدروز في الانتفاضة الأخيرة هو أن الجزء الكبير من المعارضة لم يكن يرغب فيهم. وهنا يستذكر رائد الأطرش (أحد أحفاد سلطان الأطرش) بقوله “في المساجد في ضواحي دمشق ودرعا قال الشيوخ بأنه يحل للجهاديين سبي نساء الدروز وأخذ منازلهم وقتل رجالهم.

أصبح الحد بين السويداء الدرزية ودرعا السنية منطقة جريمة وذلك مع استغلال قطّاع الطرق لحالة الفوضى زمن الحرب للاستفادة من عمليات الخطف وسرقة السيارات والابتزاز.

انتشار الأسلحة بحوزة أفراد ومدنيين كان نتيجة لسياسة الحكومة في تسليح شباب الدروز، إذ يقول رائد الأطرش “لأننا كنا خائفين من الجهاديين طلبنا من الحكومة مدنا بالأسلحة للدفاع عن مناطقنا. لقد كانت فعالة جدا حيث تمكنا من منع الجهاديين من دخول السويداء”. لكن النتيجة على المدى الطويل كانت سلبية.

وهنا يقول مصدر أمني سوري “جاء وقت احتاجت الحكومة فيه إلى أن يمسك كل شخص سلاحا. وذلك الوقت ولّى وانتهى”. بيد أن استعادة سلطة الحكومة على جبل الدروز، ناهيك عن درعا حيث يظل الجهاديون قوة ضاربة، ونزع الأسلحة يجب أن ينتظرا إلى نهاية الحرب. ويبدو أن الوضع الدولي المعقد مؤخرا حول الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية أجّل هذه المسألة إلى موعد غير محدد.

13