دروز سوريا مطالبون بالكف عن مقايضة أمنهم بالولاء للنظام

الاثنين 2015/09/28

أثار موقف الدروز من الثورة السورية الكثير من التساؤلات التي لا تزال مركونة بلا إجابات إلى حدّ اليوم، وأثار موقفهم المتحفظ ممّا يحصل في البلاد الاستغراب نظرا لروح المبادرة “الثورية” التي ميزت تاريخ هذه الجماعة، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي؛ فالجماعة يحسب لها أنها ثارت على المشيخة الإقطاعية سنة 1888 وانتفضت على الأتراك، كما شاركت في قيادة الثورة على الانتداب الفرنسي سنة 1925، وصولا إلى مساهمتها الفعالة في كافة التحركات السياسية التي شهدتها سوريا على مرّ التاريخ، خاصة في المجال العسكري. وقد كانت تصفية عدد من ضباط الطائفة البارزين في نهاية ستينات القرن الماضي، وعلى رأسهم سليم حاطوم، الجولة ما قبل الأخيرة من محطّات تقدم حافظ الأسد نحو هرم السلطة في البلاد.

ولفهم موقف الدروز الحالي وصمتهم إزاء الجرائم التي يرتكبها النظام في حق مئات الآلاف من المواطنين السوريين، خاصة الأكثرية السنية، لا يمكن المرور من بوابة الفهم الطائفي للمسألة. فعلى الرغم من كونه حاضرا في المشهد العام بقوة، إلا أنه لا يفسر لوحده صمت وانكفاء الدروز، بل على العكس من ذلك، ربما كان هذا العامل محفزا أساسيا للانخراط في الثورة على النظام لو كان طاغيا بما يكفي على الحسابات الدرزية، مثلما كان عاملاً أساسياً في حركات تمرد وثورات سابقة.

لقد جعل الاقتصاد الريعي للدولة السورية في عهد نظام حافظ الأسد، الذي جعل الدولة كياناً منفصلاً عن المجتمع (اوتونوميا الدولة)، واعتمد على الأقليات لصناعة حلف يقف خلفه، انطلاقا من فكرة إنشاء صراع بين تلك الأقليات والأكثرية السنية، إضافة إلى المركزية الشديدة لنظام الأسد، الدروز، الطائفة قليلة العدد والفقيرة عموما والمعتمدة كليا على الزراعة، مرتبطة ارتباطا عضويا بالنظام.

ومن يعرف تفاصيل الوضع الاقتصادي لمجتمع مدينة السويداء يعرف أن أبناءها يعتمدون في قوتهم على الرواتب التي يقدمها النظام لأبنائها الموظفين، وعلى عائدات الزراعة التي تتحكم الدولة أيضاً بكامل دورتها الاقتصادية. وفي كلتا الحالتين تعمد النظام تقديم تلك المكتسبات على شكل هبات ومكرمات من القائد الذي اتخذ هيئة الحامي والمُطعم لرعاياه من الأقليات والفئات الهامشية معاً، في ظل غياب الأطر والمؤسسات الحقيقية التي تمثل المجتمع وتسمح له بممارسة الرقابة الفاعلة على سياسات الحكومة ومعرفة الإمكانات الاقتصادية الحقيقية للدولة والإشراف على توظيفها وتوزيعها، وانعدام تام لثقافة المواطنة القائمة على مبادئ حقوقية تكفلها المؤسسات والدستور.

وبناء على هذه القاعدة الذهنية، فُهمت أي عملية تنموية أو خدمية قامت بها الدولة واستفادت منها الأرياف والفئات البسيطة من المجتمع على أنها عطاء وليس حقا مكتسبا، وروّج لها النظام على أنها جميل يستحق أن يُردّ على شكل ولاء يصل إلى حدود المداهنة أو الرياء الفاقع. وقد كانت هذه “المكتسبات غير المستحقة” في مقدمة الذرائع التي اختار على أساسها الدروز عدم الانخراط في الثورة التي عمت سوريا. وقد انحصرت مطالبهم حين بدأت الاحتجاجات في المسائل المعاشية وتحسين الأوضاع الخدمية وما إلى ذلك، وحتى هذه الأمور تمّت المطالبة بها بنوع من الاحتشام. ولم تتناول المطالب أو تقترب من بنية النظام القائم وأسسه.

لقد لاقت معادلة نظام الأسدي، وهي حياة بالحد الأدنى من متطلبات العيش والأمن، مُقابل الولاء والخضوع، قبولاُ كبيراُ عند الدروز، فهم أقلية صغيرة وفقيرة في محيط متنوع من الطوائف. ولكونها بلا عمق استراتيجي أو امتداد في أي مكان في العالم، فإنها تخشى أكثر من غيرها من الفوضى، التي قد تطيح بكيانها وهويتها. ووفق هذا الدافع الأخير، انساق الدروز بما فيهم أعداد كبيرة من المهاجرين الذين لم يتحصلوا على أي عمل في بلدهم الأم، في الدفاع عن النظام، وذريعتهم الجاهزة هي ذهاب جزء يسير من الطائفة السنية إلى التطرف المذهبي، دون أن يلاحظوا أن هؤلاء ما كانوا لينساقوا إلى براثن التشدد أصلا لو لم يعانوا الأمرين من الاضطهاد والقمع والقهر على أساس طائفي، وأن الدعوة إلى اصطفافات مماثلة هي من حيث النتيجة تعظيم لخطر هؤلاء وليس درءا له.

ولذلك فحري بالدروز، بعد التفجيرات الأخيرة التي ذهب ضحيتها العشرات من أبنائهم، وجاءت لتذكّرهم بالوجه الحقيقي لنظام الأسد، ألّا يخضعوا لهذا الابتزاز والتخويف، وأن يعوا أن مقايضة الأمن بالولاء خاسرة على المدى الطويل، ولم تعد صالحة بعد كل هذا الزلزال الذي ضرب سوريا. ومن الأفضل لهم أن ينخرطوا مع بقية الشعب السوري في هدم أركان هذا النظام الذي يقمع شعبه، ليتسنى لهم المساهمة من موقعهم المميز في إرساء عقد اجتماعي جديد، قائم على أساس المواطنة المتساوية وحكم القانون، لا على أساس نظام الحماية مقابل الإتاوة، فتاريخهم وإمكانياتهم تنطوي على معطيات وإمكانيات تؤهلهم للعب دور أفضل من الذي لعبوه حتى الآن بأشواط كبيرة.

كاتب سوري

6