دروس في الرقص لشيخ سبعيني مسكون بالعفاريت

ترجمة عربية لنوفيلا فانتازية للكاتب التشيكي الأشهر بوهوميل هرابال.
الاثنين 2020/02/17
الرقص والكلام إعادة تشكيل للعالم (لوحة للفنان بسيم الريس)

يعد الأديب التشيكي بوهوميل هرابال (1914 - 1997) واحدا من أفضل ممثلي الأدب التشيكي في القرن العشرين، وأكثرهم ترجمة إلى اللغات الأجنبية. لكن يتطلب فهم هرابال أكثر من مقاربة خاصة وأنه يشتغل كثيرا على الفلسفة وتوليد تقنيات سردية خارجة عن المألوف، ما يجعل من ترجمته مغامرة وتستحق أكثر من مقاربة.

 قام الدكتور خالد البلتاجي مؤخرا بترجمة عمل سردي مختلف في أسلوبه للكاتب التشيكي بوهوميل هرابال (1914 – 1997) بعنوان “دروس في الموسيقى للمسنين”، وصدرت الترجمة الجديدة عن دار المحروسة، قدم لها المترجم حول ظروف كتابة هذه النوفيلا وإعادة كتابتها.

صدرت نوفيلا “دروس في الرقص للمسنين” للأديب التشيكي بوهوميل هرابال للمرة الأولى عام 1964، وفور صدورها صارت من أكثر الكتب مبيعا، وجاوزت مبيعاتها نصف مليون نسخة في دولة لا يزيد عدد سكانها عن عشرة ملايين نسمة. لكن نسختها الأولى كانت قد ظهرت عام 1949 بعنوان “آلام قيرثر العجوز”. واتخذت شكلا سرديا جامدا بطلها العم “بيبين” الذي كان يملي على الأديب فيكتب ما يقوله على الماكينة مباشرة، وأطلق عليها في البداية “بروتوكولات”.

لكن وبعد نجاح أولى مجموعاته القصصية عاد هرابال إليها لتعديلها ويعترف بذلك قائلا “بعد أن عرفت معنى الكولاج والرولاج، وتعرفت أيضا على تقنية السينما، قطّعت الإعلانات والدعاية وضفرتها بالنص، أكدت على ما كان تائها في النص، ومنحته أسلوبا، قطعت ما قاله العم ‘بيبين‘، وتخطيته، وحكيت من حيث انتهى هو…، ثم أعدت ما كتبته، وقدمته إلى لجنة البحث عن عمل مقبول”.

أسلوب كتابة

يعتبر هرابال العم “بيبين” هو من أوحى له بطريقته السردية، وقد ظهر كراو أو إحدى شخصيات هرابال في أعماله الأخرى، إذ ظهر “بيبين” في أعماله النثرية من فترة السبعينات بصورة خاصة، يتذكر فيها طفولته في مدينة نيمبورج التشيكية، ووالديه، وكل الأجواء التي كانت سائدة.

ويرى البلتاجي أنه في نوفيلا “دروس في الرقص” تظهر السمات الأساسية التي ميزت كتابات هرابال التالية، وقيمه الفلسفية والأدبية والثقافية التي اتكأ عليها. فقد تأثر بالمنهج الإبداعي لهاشيك، السرد المؤسس على حكايات المقاهي، لكن تعددت مصادر الإلهام والإبداع التي نهل منها هرابال، من بينها كتابات الفيلسوف التشيكي لاديسلاف كليما وتصوراته عن لعبة الأمم، أي اللعبة التي بني عليها العالم، وكتابات آرثر شوبنهاور والتأكيد على قضية الدافع والميول الجنسية في إنتاج فنية السرد ذروته.

التقنية الأساسية في النوفيلا هي ازدواجية المعاني وتعددها والتباسها كلما تعلق الأمر بكلمات وعبارات وصور فضفاضة

 تأثر الكاتب كذلك بالسريالية التي تعظم دور الفنتازيا، وبجيمس جويس وتقنية “تيار الوعي”، و”فرانسوا رابيليه”، وتأكيده على التواصل المستمر بين الأعلى والأدنى. لذا كانت “دروس في الرقص” من أوائل أعمال هرابال التي أبدع فيها بصورة كاملة نصا سرديا يقدم شهادة بضمير المتحدث الراوي، استخدم هذا النوع من الكتابة طوال السبعينات والثمانينات، حيث سيطرت كتابات السيرة الذاتية عليه كما في “الحزن المبهج”، أو طرح الأديب رؤيته عن العالم على لسان أمه كما في “الحلاق”، أو على لسان معزولين حالمين كما في “خدمت ملك إنجلترا”، أو “عزلة صاخبة للغاية”.

ويلفت البلتاجي إلى أن تصدير هرابال للنوفيلا بمقتطف من كتابات الفيلسوف التشيكي لاديسلاف كليما التي يتخذها شعارا لهذه المقطوعة النثرية، يؤكد على التأثير المتبادل بين الأضداد، وينتهي المقتطف بأن النصر مبتدأه القهر. ويضيف “يستخدم هرابال تقنية تجريبية سريالية، جملة سردية لا تنتهي ‘تنتهي بثلاث نقاط‘ عمادها مونولوج، الراوي رجل ثرثار، وهو البطل التقليدي عند هرابال، رجل تعلم حرفة الإسكافي، وصناعة البيرة، ولم يمنعه هذا من ممارسة أعمال أخرى، تجول في كل أرجاء الإمبراطورية النمساوية المجرية، يتذكر منها تفاصيل مثيرة للانتباه، كما يلعب بطله دور الفيلسوف الشعبي ‘مناصر عصر النهضة الأوروبية‘، الذي صنع لنفسه نظاما تتوالد فيه الأفكار من تلقاء نفسها، وتتداعى، وتتداخل.

راوي النوفيلا بطل عجوز في السبعين، لكنه “مسكون بالعفاريت”، يعلن في كل مكان عن احتفائه بنصره الدائم المبين. وفضلا عن قصصه الجنسية العنترية، نجد متسعا لذكريات الخدمة في “أجمل جيوش العالم”، وذكرياته عن الحياة إبان ما يسميه “الحكم النمساوي”.

البطل الساخر

يشير البلتاجي إلى أن النص يتلون بلون كوميدي ساخر لأحداث من التاريخ المسيحي “دعوا السيد المسيح لحضور حفل زواج، وأسرف في شرب الخمر، فتبدل النبيذ في أيديهم إلى ماء، وتلك كانت معجزته في قانا الجليل”، أو نوادر من حياة الإمبراطور مع عشيقته كاترينا شراتوفا حيث يقول “استطاع ذلك القيصر أن يولي رعاية لفن النهضة الأوروبية مع شراتوفا”. كما يذكر تفسيرات لأحلام يتفق أو يختلف معها “كلما راود أحدهم حلم بأن حبات الخيار تتداعى عليه من الطبق، يفسرونه على أنه يعني جماع جامح”، ونقرأ أيضا بعض التفسيرات الفنية والجمالية المثيرة للدهشة التي تأتي على لسان صديقه الشاعر بوندي.

كل ما تنتجه الحياة صالح لكي يعاد تشكيله بالكلام
كل ما تنتجه الحياة صالح لكي يعاد تشكيله بالكلام

الأمثلة الكثيرة المتداخلة تجعلنا نقر بأن الكتاب الجيد ليس هدفه أن ينام القارئ في هدوء، لكن أن يثب من سريره، ويهرول مرتديا سرواله التحتاني ليصفع الأديب على وجهه.

ينتهي العمل الأدبي بمقطع سردي يخبرنا فيه البطل أن كل ما قاله موجه إلى سيدة اسمها “كاميلا” وهي التي تقطف حبات الكرز، وأن الراوي رجل عجوز “يحمل لها كل يوم وردة، يقطفها من حدائق الغرباء”، لم يرد اسمه في النص، لكن ما استقر في ضمائر الناس بناء على التعليقات التي كان الأديب يرددها أن مصدر الحكايات عم بوهوميل هرابال المدعو “بيبين”، الذي قال عنه هرابال إنه “كان قادرا على إضحاك الناس بصورة هستيرية، وكلما سألوه عما يتمنى أن يكونه يجيب على الفور إنه يريد أن يكون مصابا بالصرع، فمكانة هؤلاء في الهند عظيمة، والبعرة تدل على البعير”.

ويضيف البلتاجي أن هذه المقولة تفسر لنا سحر وتفرد نوفيلا “دروس في الرقص”، فالتقنية الأساسية هي ازدواجية المعاني وتعددها والتباسها كلما تعلق الأمر بكلمات وعبارات وصور فضفاضة في المعنى، أو تصادم الطبقات الدلالية في النص، وهي الأشتات التي يجمعها الأديب على طريقة الكولاج. فالراوي يشاركنا قيمه في الحياة بطريقة تقليدية، ويتحدث عنها على سبيل التندر، لا أكثر. لذلك نجده ينتقل هرولة من فكرة إلى أخرى، ومن تصور إلى آخر، فيصاب حديثه بثغرات طبيعية،
وتخرج الصور والكلمات عن سياقها المعهود.

 كلام الراوي العم “بيبين” يوافق طبعه، فهو كلام مرسل ومنفتح على العالم والبشر، يتقبل كل شيء من حوله بصدر واسع رحب، يسعد بكل شيء ولكل شيء، يقول مثلا “آه، يا إلهي! كم هي جميلة الحياة! إلى حدّ الجنون”.

يرى “بيبين” أن كل ما تنتجه الحياة صالح لكي يعاد تشكيله بالكلام، وأن الكلام أكثر واقعية من الواقع نفسه، فهو يرى أن الحقيقة الوحيدة في ما حدث هو ما حفظه الكلام الذي لا يمكن إخفاؤه أو طمسه أو السيطرة عليه. هذا ما يفصح عنه شعار الكتاب ومقدمته، وتصبح قواعد اللعبة في هذا السرد “حيزا وجوديّا مترامي الأطراف وميتافيزيقيا بصورة مباشرة”.

الحكي إذن قائم على لعبة يحوّل فيها الراوي “بيبين” البكاء إلى ضحك، تتضافر هذه التقنية السردية مع مفردات لغوية من بيئات محلية خارج المراكز الثقافية الكبرى، هذه المفردات تقوي من طبيعة النص الكلامية، ويشكلان معا وهما يتطلبه الموقف الروائي، إنها أساليب مثل ضمائر الإشارة، وأداة العطف “واو”، التي تساعد على انفراط الوصف وتدفقه في تيار الحكي المتصل والمتواصل، واستخدام ألفاظ محلية غالبيتها ذات أصل ألماني، ومن حِرَف مختلفة.

14