دروس من التجربة الأليمة لليونان

الثلاثاء 2015/07/14

“نبي التقشف” أو “ملك التقشف” من بين الألقاب التي أطلقها كتاب اقتصاديون على وزير المالية الألماني فولفجانج شويبله، وذلك لتبنيه سياسات مالية صارمة في منطقة اليورو، وحرصه على قيام دول المنطقة، التي تعاني من أزمات مالية، باتباع برامج تقشف قاسية لتقليل النفقات العامة في هذه الدول، ومن ثمّ، تخفيض ما تعاني منه من عجز في موازناتها العامة، وبالتالي تخفيض المخاطر المالية والاقتصادية التي يمكن أن تتعرض لها.

على الجانب الآخر من المشهد في أوروبا يبدو رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس، الذي فاز حزبه اليساري “سيريزا” بالانتخابات الأخيرة على قاعدة رفضه التام لخطط التقشف المطلوب من اليونان الالتزام بها، والذي دعا موطنيه إلى التصويت بـ”لا” على قائمة مقترحات من الاتحاد الأوروبي تتضمن إجراءات تقشفية تقوم بها اليونان لكي تحصل على المزيد من المساعدات المالية. وأسفرت دعوته بالفعل عن رفض 61 بالمئة من الناخبين اليونانيين لمقترحات التقشف في الاستفتاء الذي تم يوم الأحد 5 يوليو الجاري.

هذه الفجوة الهائلة بين السياسات التي يدعو إليها وزير المالية الألماني، ورئيس الوزراء اليوناني توضح التفاوت الصارخ بين دول منطقة اليورو، والتباين الكبير في اقتصادياتها بحيث أنه لا يمكن تطبيق نفس السياسة النقدية على اليونان وألمانيا في نفس الوقت. وهو أمر كان معروفا وواضحا قبل انضمام اليونان إلى العملة الأوروبية الموحدة، إذ لم تكن اليونان في يوما ما مؤهلة للانضمام إلى منطقة اليورو نظرا للعجز الكبير في موازنتها العامة. وعلى الرغم من ذلك قبلت كل من فرنسا وألمانيا، وهما القوتان المؤسستان لليورو، التساهل مع اليونان، بل وتم تغيير القواعد لكي تنضم اليونان إلى اليورو لتحقيق هدف سياسي، وهو تشجيع الدول الأوروبية، خاصة في غرب أوروبا وقتها، على الانضمام لمشروع الوحدة الأوروبية.

وكان هذا هو الخطأ الأكبر من جانب فرنسا وألمانيا منذ البداية: التضحية بالقواعد المالية سعيا لتحقيق أهداف سياسية، وهو الخطأ الذي يحاول الآن وزير المالية الألماني، شويبله، تداركه بتبني نموذج صارم يختلف عن الموقف الفرنسي الأكثر تساهلا تجاه السياسات المالية حتى الآن.

وعقب الخطأ الأوروبي الأول بقبول اليونان في منطقة اليورو عام 2001، توالت السياسات الخاطئة من جانب الحكومات اليونانية، والتي قامت على الإسراف في النفقات بشكل لا تتحمله إمكانيات اليونان، فتمت زيادة الأجور بحوالي 50 بالمئة في الفترة من 1999 حتى 2007 وبشكل يفوق زيادة الأجور في أي دولة أخرى في منطقة اليورو، وتم التوسع في الديون لتغطية نفقات الألعاب الأولمبية في اليونان عام 2004، وأصبحت الحكومة مثقلة بديون كبيرة تحاول بشق الأنفس سداد أقساطها والفوائد المستحقة عليها.

ثم جاءت الضربة القاصمة مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث ارتفعت تكلفة الاقتراض من البنوك بشكل كبير بسبب الأزمة، وارتفعت قيمة الفوائد على السندات، وارتفعت معها قيمة الأقساط التي يتعين على حكومة اليونان دفعها للدائنين بشكل أصبحت معه أثينا غير قادرة على السداد، واتضح حجم الأخطاء التي وقعت فيها كل من أوروبا واليونان منذ أن انضمت أثينا لمنطقة اليورو، واضطر البنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي للتدخل وتقديم حزمة من المساعدات المالية عام 2010، لإنقاذ اليونان من الإفلاس بقيمة 240 مليار يورو.

أبعاد الأزمة: 320 مليار يورو من الديون، واقتصاد ينكمش.

تسيبراس قال لناخبيه نصف الحقيقة فقط، وهي سعي حزبه وحكومته لرفض القيود والتقشف، لكن لم يقدم الصورة كاملة بكل ما فيها من مشكلات

وتوالت فصول الأزمة، إذ كانت المساعدات الأوروبية منذ عام 2010 مشروطة باتخاذ بعض الخطوات من الحكومة اليونانية لتخفيض النفقات وزيادة الإيرادات العامة، مثل إجراء بعض التخفيض على معاشات التقاعد، وزيادة الضرائب، وخصخصة بعض المشروعات والخدمات العامة، وقامت الحكومة اليونانية ببعض الخطوات، إلا أنها لم تكن كافية للخروج من الأزمة، كما أنها أغضبت أغلب المواطنين عندما وجدوا أن مستوى معيشتهم قد تراجع بشكل حاد، دون أمل قريب في الخروج من الأزمة.

وأصبحت صورة الأزمة المالية في اليونان كما يلي: الدين العام تجاوز 320 مليار يورو، وبلغت نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي لليونان 177 بالمئة وهي نسبة هائلة، كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25 بالمئة، أي نحو الربع، تقريبا خلال خمس سنوات منذ مطلع الأزمة عام 2010، ويعاني حاليا نحو 26 بالمئة من اليونانيين من البطالة، وترتفع النسبة إلى نحو 50 بالمئة بين الشباب.

وتجاه تلك الأوضاع القاسية، قدم حزب “سيريزا” اليساري للناخبين صورة أفضل كثيرا من الواقع، وهي أن اليونان تستطيع أن ترفض المزيد من القيود المالية، والمزيد من التقشف كما قال رئيس الوزراء، أليكسيس تسيبراس.

لكن تسيبراس قال لناخبيه نصف الحقيقة فقط، وهي سعي حزبه وحكومته لرفض القيود والتقشف، لكن لم يقدم الصورة كاملة بكل ما فيها من مشكلات، إذ لا يمكن أن تستمر اليونان في منطقة اليورو، كما يرغب أغلب اليونانيين، وهي ترفض، في ذات الوقت، المزيد من تخفيض النفقات، وأنه لا يمكن توفير وظائف لملايين العاطلين بعد أن انكمش الاقتصاد اليوناني بنحو الربع تقريبا في خمس سنوات، وبعد أن أصبح نحو نصف الشباب اليوناني من العاطلين. وبالإضافة لكل هذا فإن ألمانيا، أكبر الدائنين لليونان بقيمة تتجاوز 68 مليار يورو، لن تقبل استمرار اليونان في منطقة اليورو بأوضاعها الحالية.

وهذا خطأ آخر من جانب الحكومة اليونانية. لا يمكن أن تستمر الأمور كما اعتاد اليونانيون لسنوات طويلة، ولا بد من مصارحتهم بالحقيقة. ربما تخرج اليونان من اليورو لفترة مؤقتة كما اقترح وزير المالية الألماني شويبله، وربما تضطر لإجراءات قاسية لكي لا ينهار الاقتصاد بشكل كامل، خاصة بعد أن سجلت اليونان أكبر تخلف عن السداد في تاريخ صندوق النقد الدولي يوم 30 يونيو الماضي بمبلغ 1.55 مليار يورو.

لعل الكثيرين ممن عاشوا في اليونان، أو زاروا هذا البلد الجميل يشعرون بالحزن على ما انتهت إليه الأوضاع به، لكن حقيقة الأمر أن الأزمة المالية في اليونان لم تأت بين عشية وضحاها، وأن هناك أخطاء متراكمة من قبل أوروبا، ومن قبل اليونانيين أنفسهم، أوصلت بلادهم إلى كارثة مالية، وأن المساعدات الخارجية، مهما كان حجمها، ستتوقف في يوما ما، ولا يمكن أن تنقذ اقتصاد دولة يعاني من أزمات هائلة تتجاهلها حكومته.

كاتب مصري مقيم في لندن

9