دروس من التجربة الوطنية الفلسطينية

التجربة الوطنية الفلسطينية خضعت للشعارات والعواطف والرغبات، أكثر مما خضعت لأي شيء آخر، ما يفسّر حقيقة أنها كانت غنية وعميقة على صعيد الفعل الشعبي العفوي، إلا أنها لم تحقق الغاية المرجوة منها.
الاثنين 2018/11/26
استخلاص الدروس

لم تخضع التجربة الوطنية الفلسطينية، في صراعها ضد المشروع الصهيوني، للمراجعة، وضمن ذلك للفحص والنقد والمساءلة والمحاسبة، وتاليا استنباط الدروس والعبر، علما أن الحديث يدور عن تجربة غنية ومعقدة ومضنية، امتدت على مدار قرن، ضمنها أكثر من نصف قرن في التجربة الوطنية المعاصرة، التي بدأت منتصف الستينات.

المشكلة أن هذه التجربة خضعت للشعارات والعواطف والرغبات، كما للعفوية والتجريبية، أكثر مما خضعت لأي شيء آخر، ما يفسّر حقيقة أنها كانت غنية وحيوية وعميقة وملحمية، على الصعيد الفردي، أو على صعيد الفعل الشعبي العفوي، المتعلق بالصمود والمقاومة، إلا أنها، في المحصلة، لم تحقق الغاية المرجوة منها، مع كل التقدير للأثمان الباهظة التي دفعها شعب فلسطين، بمعاناته وتضحياته وبطولاته، هكذا تمت إقامة إسرائيل عام 1948، بعد نصف قرن من تأسيس المشروع الصهيوني (مؤتمر بال في سويسرا 1897)، في حين أن نصف قرن من المشروع الوطني الفلسطيني المعاصر لم يستطع أن يحرر أي منطقة في فلسطين، ولا إضعاف إسرائيل على أي مستوى، لا أمني ولا اقتصادي ولا سياسي، مع علمنا أن كيان السلطة لم يقم في منطقة محررة، ولا نتيجة تغير في موازين القوى بين إسرائيل والفلسطينيين.

وفي الواقع فإن إسرائيل، عبر اتفاق أوسلو عام 1993، استطاعت تجويف الحركة الوطنية الفلسطينية واستيعابها، وتحويلها إلى مجرد سلطة تحت الاحتلال، كما استطاعت عبر ذلك تهميش منظمة التحرير، وحصر ولاية القيادة الفلسطينية بفلسطينيي الضفة والقطاع وبالتالي تفكيك مفهوم الشعب الفلسطيني، ناهيك عن إزاحة الرواية الفلسطينية المتأسسة على النكبة (1948)، لا فقط التماهي مع رواية إسرائيل باعتبار أن الصراع بدأ في 1967. والواقع فنحن إزاء كيان فلسطيني في الضفة مقطع الأوصال، ويعمل وفق التنسيق الأمني مع إسرائيل، والتبعية الاقتصادية والإدارية لها، أي أن السيطرة هي لإسرائيل، في حين أن السلطة الفلسطينية لا تمارس السيادة إلا على الفلسطينيين في تلك الأراضي، وهي في غضون ذلك تحد من حراكاتهم ضد الاحتلال، بالقياس للسابق.

أما في خصوص غزة، فمع التقدير للمقاومة والصمود، إلا أن ذلك ليس العامل الأساسي أو الوحيد للانسحاب الإسرائيلي الأحادي من القطاع عام 2005، لذا يجدر لفت الانتباه هنا إلى أن أعداد القتلى الإسرائيليين في الضفة أكبر منه في غزة بكثير، لكن إسرائيل مصرة على البقاء في الضفة، في حين انسحبت من غزة لاعتباراتها الخاصة، أي للتخلص من الخطر الديمغرافي، ولأن الضفة غير غزة، فهي في العقيدة الصهيونية “أرض الميعاد” أو “يهودا والسامرة”، وهي خاصرة إسرائيل ومجالها الحيوي.

وبحسب الإحصائيات فإن عدد الإسرائيليين الذين قتلوا في القطاع منذ احتلاله إلى وقت الانسحاب منه (1967 – 2005)، أي طوال 38 عاما، بلغ 230 إسرائيليا، بمعدل ستة أشخاص في العام الواحد، قتل منهم بين (1967 – 1987)، أي في عشرين عاما، 38 إسرائيليا (حوالي شخصين في العام)، وإبان الانتفاضة الأولى قتل 29 إسرائيليا، في حين قتل 39 إسرائيليا منذ توقيع اتفاق أوسلو حتى الانتفاضة الثانية (1993 – 2000)، وفي الانتفاضة الثانية قتل 124 إسرائيليا (من أصل 1060 إسرائيليا قتلوا في الضفة وفي مناطق 1948).

من ناحية أخرى، وبعيدا عن العواطف والشعارات الاستهلاكية، فإن ذروة استخدام الفلسطينيين للكفاح المسلح تحققت في الانتفاضة الثانية، ونجم عنها مصرع أكثر من ألف عسكري ومدني إسرائيلي، منهم 452 إسرائيليا عام 2002 (120 في شهر مارس لوحده). بيد أن النتيجة كانت أن إسرائيل شنّت حربين مدمرتين على الفلسطينيين (2002 – 2003) أدت إلى استعادتها السيطرة على الضفة، وتقطيع أوصالها بالنقاط الاستيطانية والحواجز، مع تدمير بناها التحتية.

بالمقابل لم يستطع الفلسطينيون الاستمرار على ذات النهج، فبدءا من 2003 حصل نضوب في مقاومتهم، فبدلا من أن يستنزفوا إسرائيل باتت هي تستنزفهم. ففي عام 2003 قتل 208 إسرائيليين، وفي 2004 قتل 117 منهم، أما في 2005 فقتل 56 وفي 2006 قتل 30 وفي 2007 قتل 13، إلى الحد الذي توقفت فيه المقاومة تقريبا في الضفة وفي غزة، وبكل أشكالها الشعبية والمسلحة.

في التجربة التاريخية، يرصد الباحث محمد عزة دروزة خسائر الفلسطينيين (في النصف الثاني من عقد الثلاثينات) على يد الجيش البريطاني، بقوله “بلغ عدد المعتقلين خمسين ألفا وعدد الشهداء سبعة آلاف وعدد الجرحى عشرين ألفا وعدد البيوت المنسوفة ألفين. انظر مذكرات محمد عزة دروزة (بيروت دار الغرب الإسلامي، 1993). وبلغ عدد الأسلحة المصادرة من الفلسطينيين خلال الفترة من 1936 إلى 1940، بحسب المصادر الرسمية البريطانية: 6371 بندقية و3220 مسدسا و1812 قنبلة و425 بندقية صيد.

ولعل هذه الإحصائيات، ومن ضمنها تدمير البنى التحتية للمقاومة، وتصفية قياداتها أو إبعادها، تدلل على أن الفلسطينيين في 1948 كانوا في غاية الإنهاك، ما يفسر قدرة العصابات الصهيونية، حينها، على السيطرة، وتحقيق الغلبة وإقامة كيانها، أي أن ثورة 1936، كانت ثورة مشروعة وتعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني، إلا أن طريقة إدارتها ونمط عملياتها، كانا أكبر من قدرة الشعب على الاحتمال، الأمر الذي مكن السلطات البريطانية وقتها من توجيه ضربة قاصمة لها، بحيث أنه عند اللحظة الحاسمة (إقامة إسرائيل)، كان الشعب الفلسطيني من دون قيادة وقد استنزفت قدرته على المقاومة، وهو الأمر الذي تكرر في تجربتنا في لبنان قبل العام 1982، وفي الانتفاضة الثانية.

في الغضون من المهم ملاحظة أن تجربة الكفاح المسلح المعاصرة أوتيت أكلها وأدت الغرض منها إلى حدود العام 1974، إذ استنهضت شعب فلسطين، وفرضت الاعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير وبشعب فلسطين وحقوقه.

أما بعد ذلك فإن الكفاح المسلح فقد وظيفته إلى حد كبير، بدليل أنه لم تتم إضافة إي إنجاز جديد في ما بعد؛ إلى حين اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987. والقصد أن الفلسطينيين لم يكونوا في أرضهم، والصراع العربي ضد إسرائيل اختفى، وأن إمكانياتهم في مواجهة عسكرية مع إسرائيل لا تفي بالغرض إلا إذا كانت على نمط المقاومة الشعبية طويلة الأمد. هكذا كان يمكن توفير التضحيات، بتنمية كيانات شعب فلسطين، وبخوض أشكال كفاح أخرى ضد إسرائيل، أما الطريق الذي تم انتهاجه فقد جعل من الكفاح المسلح عبئا على شعب فلسطين في لبنان وفي الأرض المحتلة ومصدر استنزاف له لا لإسرائيل.

9