دريب الغاويات: فشل الأرستقراطية في كسر المحرمات

الأحد 2015/01/04
الروائية الإماراتية سعاد العريمي تكتب سيرة نسائية

هو الدرب الذي خطّته أقدام الأخوات الأربع اللاتي عُرفن بالغاويات، الدرب الذي مررن به وحكين فيه قصص العشق والغرام، لكن ما يلبث هذا الدرب أن يتحول إلى لعنة، لتبقى ذكراه وما حصل به تطارد صبحا بنت الريح في تنقلاتها بين أبو ظبي ولندن، لتبدأ صبحا بعدها بسرد سيرة حياتها والقيود العاطفيّة التي تكبّلها وتجعلها تراوح في مشاعرها بين محمد الذي تحبه وراشد الذي من المفترض أن تتزوجه، (دريب الغاويات) صادرة عن دار الساقي -2014- للكاتبة الإماراتيّة سعاد العريمي، ويُذكر أن (دريب الغاويات) حصلت على جائزة أفضل كتاب إماراتي في مجال الإبداع في معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 2014.


شخصيات رومانسية


تبدأ الرواية باللقاء المفاجئ بين صبحا بنت الريح و بين محمد بن هضبان، بعد فراق دام لسنوات عديدة قطعت فيه صبحا أمل الوصال مع من أحبته في أول زيارة لها للندن لاستكمال الدراسة، تدور حبكة الرواية حول الأخذ والرد الذي تقوم به صبحا في علاقتها الغراميّة مع محمد، لتصل حد التصوّف، بحيث تختفي أي علاقة جسدية لتبدو حواراتهما أقرب للمونولوجات الرومانسية و اللقاءات المدبرّة و المرسومة كأنها تعود لروايات القرن الثامن عشر مع إفراط في الشاعرية والميلودارميّة، كما تتخلل الرواية حبكات فرعيّة عن أخوات صبحا بالرضاعة فروبي تسجن متهمة بقتل صديقتها حمدة التي يُظن أن الأخيرة قد قتلت ابن روبي، وعائشة يجرفها السيل لتتحول إلى أسطورة يتناقلها سكان المنطقة بحجة أن الجن أخذها، وتزداد ميلودرامية الأحداث لتصل الأقوال إلى أن صبحا ذاتها هي جنيّة أو تلبستها جنيّة، ذلك يعود للظروف الغامضة المحيطة بنسبها، فأبوها الريح غير معروف النسب سوى أن أمها سلافة رأته فأسر لبّها، ليترك في الأم بذرته بعد الزواج ويرحل دون عودة، سلافة توفيت لتترك صبحا صغيرة برعاية خالها الذي يُعتبر الآمر الناهي في شؤونها، حيث يحاول أن يتدبر لها زيجة من راشد الذي تنتظره طويلاً ولا يأت، إذ تتكرر أسفاره وأعماله ليموت لاحقاَ في حادث طيارة، تعود بعدها أشواقها إلى محمد، ما تلبث بعدها أن تكتشف الأسرة أن راشد كان متزوجاً من أردنيّة وله منها طفلان، لتنتهي القصة بمواعيد ترتبها الأحاسيس والتخاطر الروحي بين صبحا ومحمد في لندن لتوافق في النهاية على الزواج منه بعد سنوات من اللوعة وجلد الذات في سبيل فراقه تنال خلالها درجة الدكتوراه وتعمل موظفة في السفارة الإماراتية في بريطانيا بعيداً عن أهلها ناذرة نفسها للوحدة.

سطوة المكان
الرواية تبعث على الخيبة لدى من يقرأها، فالغاويات الأربع تنتهي مصائرهن نهايات مؤلمة، وكأن قدرهن هو الهزيمة

تدور أحداث الرواية بصورة أساسية بين فضاءين من الأمكنة، مدينة العين في أبو ظبي ولندن وكمبريدج ومدن حولها في بريطانيا، وبإمكاننا ملاحظة الاختلافات التي يفرضها الفضاء على الشخصية الرئيسية –صبحا- وعلى من حولها، فنلاحظ التحولات التي تطرأ على الشخصيات حين الانتقال من فضاء إلى آخر، فصبحا تعيش بحريّة في لندن وتتابع دراستها العليا ومهنتها مع ذلك تبقى خصائص المكان الأول المتمثل بمكان إقامة أهلها حاضرةً دائماً، فرغم إقامتها في لندن لم تستطع التخلص من سطوة الأسرة والتقاليد، فهي ما تزال تخاف من كلام الناس وأعينهم، وبالرغم من أنها تحب عربيا مثلها ومن ذات المنطقة إلا أنها تنقل فضاء أبو ظبي إلى ذلك الخارج المتمثل بالتحرر والانفتاح.

لا تمتلك الشخصيات أصواتاً أصيلة، فكلها متشابهة وبالأخص صبحا ومحمد فكلاهما يتحدثان بعبارات قصيرة شعرية تتخللها أبيات الحلاج التي تبدو خارج السياق في كثير من الأحيان، وتستدعي حالات الوجد الصوفي المرتبطة بالغياب لا بما هو جسدي وحسّي بين شخصين، يتداخل صوت الراوية صبحا مع صوت الكاتبة العريمي إذ تقول صبحا لنفسها أنها تعيش بذهنية التحريم، في إشارة من الروائية حسب ما ذكرت إلى عنوان كتاب المفكّر السوري صادق جلال العظم، لتبدأ بعدها صبحا بتقييم تصرّفاتها المرتبطة بمفاهيم الحب العذري وغياب حضور التجربة الجسديّة بينها وبين محمد حيث ترى في الغياب إشعالاً لنار الحب كحال شعراء الجاهليّة.
الرواية تكشف الحياة الخليجية


الرؤية الاستشراقية


تشير العريمي ضمن الرّواية إلى الاختلافات الحضارية والرؤية الاستشراقية التي تمارسها دول الغرب على المشرق العربي، إذ تمر بصبحا حادثة تجعل منها موضعا للدراسة والتحليل، حيث يسرق برنارد البروفيسور المشرف على صبحا صوراً لها وهي الفتاة ابنة الربع الخالي ويعرضها للطلاب كحالة لدراسة الخصائص الأنثروبولوجيّة للنساء العربيات في الربع الخالي، لكن بصورة مقصودة أم لا نلاحظ أن العريمي ذاتها تؤكد هذه الرؤية، في الحديث عن عيون صبحا وصفاتها البدويّة المميزة وغيرها من الخصائص التي تميز المرأة العربية وحالات العشق التي تصيبها وغياب التجربة الحسيّة عن حياتها والاكتفاء بالميلودراما العاطفيّة والأبيات الشعريّة، كذلك استسلام صبحا لهذه الحالة التي لا تتجاوزها إلا في النهاية بعد معرفة أخيها وجزء من أسرتها بحبّها الدفين الذي بقي مخبأً.

الرواية تبعث على الخيبة لدى من يقرأها، فالغاويات الأربع تنتهي مصائرهن نهايات مؤلمة، وكأن قدرهن هو الهزيمة، حتى صبحا نفسها التي بقيت طيلة صفحات الرواية تصد محمد حين تقرر وتعترف بحبها نرى الظروف المرتبطة بماضيها تقف بوجهها، لتبقى النهاية مفتوحة، وكأنها تشير إلى عودة الحلقة المفرغة التي تدور بها صبحا، وكأنه لا يمكن للأنثى الشرقيّة الفكاك من عقد العادات والتقاليد، وكأن فعلاً هناك جنيّا يسمى الشرق وعاداته يتلبّس النساء ولا يستطعن الخلاص منه حتى لو ذهبن إلى أقاصي الأرض.

12