دستور سوريا المستقبلي وشكل الدولة وهويتها

الاثنين 2017/08/14
شبح التقسيم هاجس جديد

دمشق - كلّ التطورات الأخيرة المتسارعة في سوريا تدلّ على أن كل شيء بات يتم وفق التوافقات الروسية الأميركية على حسم المسألة السورية، ومن هنا تصاعد الحديث عن المرحلة الانتقالية والدستور المستقبلي، وهناك أطروحات تتناول شكل الدولة السورية وهويتها.

قبل الخوض في الأفكار المطروحة علينا توصيف المرحلة الانتقالية بأنها مرحلة مؤقتة ومؤطرة بزمن محدد، وأن القوى التي ستقودها هي قوى الأمر الواقع المفروضة وفق الاتفاقات الدولية التي ستوقّع، أي أنها ليست حكومة تمتلك المشروعية، فهي لا تمثل الشعب ولا حتى فئات منه بأيّ شكل من الأشكال حيث من الخطأ إجراء انتخابات في وضع يتسم بالحرب وعدم الاستقرار واستمرار تأجيج الحساسيات الطائفية والعرقية.

وبالتالي فمهمة الحكومة المؤقتة المرتقبة هي فقط قيادة الوضع في المرحلة الانتقالية نحو الاستقرار ليتسنّى له أخذ دوره في إعطاء المشروعية للمخولين بوضع الدستور ولمن سيحكم وعبر انتخابات نزيهة.

ويرى عبدالحميد العواك، المختص بالقانون الدستوري في جامعة سقارية بتركيا، أن “الاتفاق على دستور في بداية المرحلة الانتقالية هو اتفاق على إرادة الشعب، ولا يجوز استمرار تغييبها، فلا أحد يستطيع أن يدّعي تمثيل الثورة، وأن إرادة الشعب غير واضحة”. ويضيف” يجب بلوغ الشعب مرحلة عالية من الوعي والنضج ليساهم في بناء الدولة، وهذا يحتاج إلى استقرار أمني وسياسي واقتصادي”.

ويفضّل العواك وجود “إعلان دستوري وليس دستورا، لتسيير عمل الدولة مؤقتاً وتنظيم عمل السلطات الثلاث، تمهيداً لإجراء انتخابات شعبية لاختيار أعضاء الجمعية التأسيسية التي ستضع الدستور ثم إجراء استفتاء شعبي عليه”.

وفي المقابل يشير لفيف واسع من المعارضين والمثقفين السوريين إلى أنه “من الأفضل العودة إلى دستور 1950، فهو يحظى بشهرة واسعة بين السوريين، كونه وُضع عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة، وأُنتِج بآلية ديمقراطية، واعتمد نظاماً برلمانياً يقوم على التوازن بين السلطات الثلاث”، وكذلك تمت العودة إليه بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة سنة 1961، ولان حوامله السياسية والثقافية والاجتماعية لازالت موجودة”. لكن تبقى هذه الآراء متسرعة وعفوية وتتجاوز الأخذ برأي الشعب. ويلفت العواك إلى أن” الفترة الزمنية التي مضت على وضع دستور 1950 طويلة نسبياً، وأن الظروف تغيرت، وتقدم العلم الدستوري”.

وقدم المحامي ميشال شماس برنامجاً إنقاذياً علاجياً لمدة لا تقل عن سنتين لوضع البلاد على طريق التعافي؛ ويبدأ هذا البرنامج بإصدار إعلان دستوري بمبادئ لا يتجاوز عددها أصابع اليد، وكذلك تشكيل حكومة مؤقتة وهيئة للعدالة الانتقالية وتشكيل جمعية وطنية يُنتخب نصف أعضائها من الشعب، وتعمل على إصدار قانون الانتخابات وصياغة مشروع دستور جديد للبلاد تعرضه الحكومة على الاستفتاء الشعبي.

وبعد إقراره تتهيأ الأجواء اللازمة لإجراء انتخابات نيابية ورئاسية بإشراف ورقابة هيئات المجتمع المدني، ثم تلغى الحكومة المؤقتة والإعلان الدستوري وتتشكل حكومة جديدة.

مهمة الحكومة المؤقتة المرتقبة هي قيادة الوضع في المرحلة الانتقالية نحو الاستقرار وإعطاء المشروعية لوضع الدستور

لكن النظام السوري بات فاقداً للمشروعية وبدت الدولة في أساسها قائمة على الولاء وليس المواطنة، حيث يعيش الشعب أزمة هوية وتغيب الهوية الوطنية لتحضر الهويات الدينية والعرقية والقومية.

كل تلك العوامل دفعت البعض للدعوة للشكل الفيدرالي للدولة، وحجّتهم أن الفيدرالية ستكون الأقدر على صون الحريات والخصوصية وستحفظ الانتماءات الجهوية والعرقية والمذهبية لتصهرها في الانتماء العام للهوية الوطنية.

في الواقع فإن الفيدرالية تحمل في ذاكرة السوريين مقدمة للتقسيم وتلك الحجج لا تقنع، وخير دليل على ذلك العراق حيث أنهت الفيدرالية كل بوادر الهوية العراقية بسبب أولوية الانتماء الجهوي والتبعية للخارج.

ويقول العواك إن “إنتاج الحقوق والحريات والحفاظ على الخصوصية هو نتيجة دولة المواطنة”. في المقابل يؤكد شماس على ضرورة أن “ينص الإعلان الدستوري على الالتزام بوحدة سوريا واستقلالها وتنوعها الثقافي والقومي والديني، وعلى مدنية وديمقراطية الدولة، واستقلالية القضاء بصفته الضامن للحريات والحقوق”.

وتعد الإشكالية الأكبر التي يختلف عليها السوريون هي مسألة الهوية، فالبعض يرى أنها هوية عربية ويرى آخرون أن الهوية العروبية فرضتها الأحزاب القومية التي حكمت المنطقة، فيما يؤكد طيف واسع من السوريين على أن الهوية إسلامية، وفي ظلّ هذه الهواجس تُفضّل الأقليات العرقية نموذج الفيدرالية للحفاظ على هويتها القومية الخاصة.

وتتسم الهويات الجهوية الحالية بالمظلومية، وبالتالي لا يمكن التعايش معها إلا في ظل دولة المواطنة التي تصون الحريات الثقافية والدينية.

ولا يمكن القول إن الدولة السورية، التي عمرها لا يتجاوز المئة عام، قد أنتجت هوية سورية نهائية؛ فقد عانت من التقسيم عبر سايكس بيكو، ومن مخاض الاستقلال ومن فترة انقلابات عسكرية ثم من حكم شمولي استمر أربعين عاماً، وساهم في تعميق أزمة الهوية.

ويلفت العواك إلى أن” الهوية ليست منجزاً نهائياً منغلقاً على ذاته، بل هي قيمٌ وخصائص قابلة للتطوير والتحوير والتحول حسب المستجدات، ويرى أن” العوامل التاريخية والجغرافية والدينية والثقافية والسياسية لم تتمكن من إنتاج هوية سورية”.

وأوضح العواك أن “العامل الديني أقوى تلك العوامل، وأن الدساتير السابقة كلها لم تغفل أن الدين الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، وأن الطبيعة الدينية للدولة لا تتنافى مع وجود سلطات مدنية، لكنه في نفس الوقت يرى أن الدين عائق حقيقي أمام تشكيل الهوية السورية؛ حيث ينقسم المجتمع إلى فئتين غالبتين: علمانيون لا يعترفون بالدين مقوّماً من مقومات الهوية الوطنية، وإسلاميون يرون الدين الإسلامي المتعايش مع الأقليات المسيحية وغيرها هو المقوم الأوحد للهوية”،

ويعتقد الكاتب اللبناني حازم صاغية أن” الهوية الوطنية السورية لم تلقَ ذلك الإجماع الذي تستحقه كمشروع وطني، منذ نشأة الدولة السورية، وأنها مجرد وهم ينتظر من يبادر إلى تبديده، حيث أن الآباء المؤسسين للدولة السورية، رغم إنجازاتهم الوطنية، لم يعملوا على استكمال الهوية الوطنية كمشروع وطني، فكثيراً ما استبعدوا الأقليات عن السلطة وفضّلوا الاستئثار بها”.

6