دستور مصر.. تاريخ من التجاذب بين الحاكم والمحكوم

الأحد 2014/01/19
صلاحيات الرئيس في دستور 2013 جاءت مماثلة لتلك الصلاحيات الواردة في دستور 2012

القاهرة - شهد القرن التاسع عشر في العالم العربي، وفي أنحاء الامبراطورية العثمانية، حراكا كبيرا لإصلاح القوانين التي تنظم حياة الناس، وتم الضغط من كل اتجاه على السلطة كي تصدر ما عرف وقتها بالتنظيمات السلطانية والخطوط الهمايونية، التي اعتبرت شكلاً من أشكال الدستور في العام 1876 تم إصدار الدستور العثماني رسمياً، لتلتزم به كافة المناطق التي تخضع للسلطة العثمانية، ولكن مصر كانت تحت حكم محمد علي باشا وورثته الذين انفصلوا بها عن اسطنبول، ونشرت جريدة الأهرام في يوم 13 من يناير ـ كانون الثاني من العام 1877 نص القانون الأساسي في ممالك الدولة العثمانية، وخلال العامين التاليين أصرّت النخبة المصرية على استصدار دستور خاص بمصر.


أبو الدستور المصري.. شريف باشا


في العام 1879 خرج الأدميرال محمد باشا شريف، الذي عاش في عهد الخديوي إسماعيل مع بداية الحياة النيابية المصرية، ليعلن عن أول نص دستوري مصري معاصر، وهو ما عرف بدستور 1879، حيث أنشأ مجلس النواب على غرار المجالس النيابية الحديثة ، وكان ذلك الدستور مكوناً من 49 مادة، ولم يشر ذلك الدستور إلى دين الدولة، ولكنه لم يعش أكثر من ثلاث سنوات قبل أن يعلن المصريون عن دستورهم الجديد في العام 1882 والذي جاء تنفيذا لمطالب ثورة أحمد عرابي، وعرف محمد باشا شريف بسبب ذلك بـ” أبو الدستور المصري”، وكان دستور العام 1882، تمهيداً لانفصال مصر عن اسطنبول وتكريساً لتحولها إلى دولة مستقلة، وكان يتبنى “الرقابة” من ناحية و”التشريع″ من ناحية أخرى لمجلس النواب، وأهم ما تضمنه دستور مصر سنة 1882 هو إيجاد مجلس للنواب وبيان العلاقة بينه وبين الحكومة (مجلس النظّار) ومن عيوب دستور 1882 أنه يمكّن الحاكم من السلطة المطلقة إذ أنه سيحكم باسم الأمة (الشخص المجرد المستقل في وجوده عن أفراد الشعب والمواطنين) والحاكم باعتباره ممثلا لصاحب السيادة الكاملة ستكون له كل السلطات دون حدود ولا رقيب ولا مسؤولية مما فتح بابا كبيرا للظلم وعدم احترام الحقوق والحريات، فجمع الخديوي في يده كل السلطات.

وحتى العام 1913 كانت قد صدرت تعديلات على دستور العام 1882، عرفت باسم القانون النظامي نمرة (كذا) أثّرت كثيراً على فعالية الدستور الذي عاش حتى بدايات القرن العشرين، وفي مناخ التظاهرات التي اندلعت في العام 1919 بقيادة سعد باشا زغلول، ضد الملك وضد الإنكليز، تمت المطالبة بدستور جديد.


سعد زغلول ودستور 1923


كان سعد زغلول هو من طالب بإعادة وضع دستور جديد للبلاد، يحدّ من صلاحيات الملك ويمنح الشعب السلطة الكبرى، فصدر دستور العام 1923، لينص على أن حكومة مصر ملكية وراثية وشكلها نيابي، وينص دستور العام1923 على أن حكومة مصر “ملكية وراثية وشكلها نيابي”، وقامت بوضعه لجنة مكونة من ثلاثين عضواً ضمّت ممثلين عن الأحزاب السياسية والزعامات الشعبية وقادة الحركة الوطنية وقد ترأس تلك اللجنة عبد الخالق ثروت، و قد تضمن الدستور المبادئ الرئيسية التالية: جميع سلطات البلاد مصدرها الأمة ، أي الشعب، الملك يملك ولا يحكم، السلطات التنفيذية للملك ولكنه يباشرها بواسطة الوزارة، وظل دستور 1923 معمولاً به حتى تم إلغاؤه في الثاني والعشرين من أكتوبرـ تشرين الأول من العام 1930.


الملك فؤاد يفرض دستور 1930


صدر الدستور الجديد، تحت رعاية الملك فؤاد الأول وإسماعيل باشا صدقي رئيس الوزراء، ولم يخفف من صلاحيات الملك، بل قام بتوسيعها، مما يجعل الملك “يملك ويحكم” على عكس دستور 1923 الذى كان فيه “الملك يملك ولا يحكم” فرفض حزب الوفد الدستور وقامت انتفاضة العام 1935 الطلابية والعمالية، منادية بإسقاط الدستور، مما اضطر الملك فؤاد الأول إلى إصدار القرار رقم 142 لسنة 1935 في 19 ديسمبرـ كانون الأول القاضي بإلغاء الدستور الجديد وإعادة العمل بالدستور القديم، دستور1923.

طلب السادات بعد أقل من سنة من رحيل عبدالناصر من مجلس الشعب وضع دستور حضاري لمصر فعاش دستوره أربعين سنة حتى قامت ثورة 25 يناير 2011 وخلعت حسني مبارك


نهاية الملكية في مصر 1952


استمر دستور العام 1923 يحكم مصر، حتى قيام ما عرف باسم ثورة العام 1952، وصدر أول إعلان دستوري في يوم 10 ديسمبرـ كانون الأول من سنة 1952 أعلن فيه باسم الشعب سقوط دستور سنة 1923، وفي 13 ينايرـ كانون الثاني من العام 1953 تم تكوين لجنة لوضع مشروع دستور جديد على أن تراعي الحكومة في أثناء تلك الفترة الانتقالية المبادئ الدستورية العامة، وفي 10 فبرايرـ شباط سنة 1953 صدر إعلان دستوري ثان متضمنا أحكام الدستور المؤقت للحكم خلال المرحلة الانتقالية، وعند نهاية تلك الفترة صدر في 16 من ينايرـ كانون الثاني من العام 1956 إعلان دستوري معلناً عن دستور جديد، إلا أن العمل ظل مستمرا بالإعلان الدستوري الصادر في 1953، حتى أجري الاستفتاء على الدستور النهائي في 23 من يونيه ـ حزيران من العام 1956، حين وافق الشعب المصري على دستور يناير سنة 1956 وأصدره.


عبدالناصر رئيسا في دستور 56


ويتكون دستور 1956 من 196 مادة ويرتكز على الأسس التالية: مصر دولة عربية مستقلة ذات سيادة، وهي جمهورية ديموقراطية، والشعب المصري جزء من الأمة العربية، ويشترط في رئيس الجمهورية أن يكون مصريا من أبوين وجدّين مصريين، ولا تقل سنّه عن خمس وثلاثين سنة، وألا يكون منتمياً إلى الأسرة التي كانت تتولى الملك في مصر.

لا يختلف الدستور المصري الجديد كثيرا عن دستور العام 2012 ولكنه حرص على تقليص صلاحيات الرئيس وحظر الأحزاب الدينية


دستور الوحدة ما بين سوريا ومصر


في يوم 5 مارس ـ آذار من العام 1958 أعلن جمال عبدالناصر من دمشق الدستور التفصيلي المؤقت لدولة الوحدة، من ثلاثة وسبعين مادة تفصل المبادئ السبعة عشر التي وردت في إعلان الوحدة، وتحدد المادة الأولى من دستور 1958 شكل الدولة فتعرفها بأن “الدولة العربية المتحدة جمهورية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة، وشعبها جزء من الأمة العربية”، أما الحريات فيرد ذكرها في مادة واحدة من مواد الدستور هي المادة العاشرة التي تنص على أن “الحريات العامة مكفولة في حدود القانون”، بينما يعطى الدستور سلطة مطلقة لرئيس الجمهورية فهو رئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتولى السلطة التنفيذية ويمارسها، ويعين نوابه ويعزلهم، كما يعين الوزراء ونوابهم ويعفيهم من مناصبهم، وانهار هذا الدستور بانهيار الوحدة بين مصر وسوريا في العام 1961، واستمر العمل به حتى 25 مارس من العام 1964، وصدر دستور مؤقت لمصر التي بقيت تعرف رسميا باسم “الجمهورية العربية المتحدة”.


دستور السادات 1971


رحل جمال عبد الناصر في العام 1970، وبعد أقل من سنة، طلب السادات من مجلس الشعب المصري وضع مسودة دستور جديد، فقرر المجلس بجلسته المنعقدة في نفس اليوم تشكيل لجنة تحضيرية من خمسين عضوا من أعضائه ومن أهل الرأي والخبرة ورجال الدين، وفي جلسته المنعقدة في 25 مايو ـ أيار 1971، تقدم لعضوية اللجنة التحضيرية ثمانون من أعضاء المجلس، فقرر المجلس أن يرفع عدد الأعضاء من 50 إلى 80 عضواً واعتبر جميع المتقدمين أعضاء في اللجنة، وانتهت اللجنة التحضيرية إلى تقديم تقريرها عن المبادئ الأساسية لمشروع الدستور إلى مجلس الشعب، ووافق المجلس على المشروع، والذي عرض مع وثيقة إعلانه علي الشعب للاستفتاء عليه في يوم 11 سبتمبر ـ أيلول من العام 1971، عملا بأحكام المادة 193 من الدستور.

وقد استمر العمل بهذا الدستور حوالي أربعين عاماً منذ إقراره، حتى تم تعطيله من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في يوم 13 فبراير ـ شباط من العام 2011، يوم تنحي حسني مبارك عن منصب الرئاسة، ونجاح ثورة 25 يناير.

أول دستور مصري وضعه محمد باشا شريف الأدميرال العسكري الذي عرف باسم أبو الدستور في العام 1879


دستور مصر بعد ثورة 25 يناير 2011


خرج هذا الدستور الذي سمي بدستور “الإخوان” بعد سلسلة من الإعلانات الدستورية التي أقرها المجلس العسكري، والذى أصدر إعلانا دستوريا علّق فيه العمل بدستور 1971 في 13 فبراير من العام 2011، ونصت هذه التعديلات على أن يقوم مجلسا الشعب والشورى المنتخبان باختيار أعضاء جمعية تأسيسية من 100 عضو لكتابة دستور جديد في غضون ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، وشكلت الجمعية التي أثير حولها الكثير من الجدل في الفترة الأخيرة بسبب سيطرة التيار الإسلامي على التصويت داخل الجمعية، وترأّس الجمعية المستشار حسام الغرياني، وسط اعتراض الفئات العلمانية وأحزاب المعارضة المصرية، بينما دافعت اللجنة التي أشرفت على وضع الدستور عن مشروعها وقالت إنه أفضل دستور عرفته البشرية، وبناء على الإعلان الدستوري في مارس 2012، وطرح الدستور على الاستفتاء الشعبي يومي 15 و22 ديسمبرـ كانون الأول من العام 2012 وتم إقراره بموافقة نحو 64٪واعتراض 36 ٪ من الذين ذهبوا للجان الاقتراع.


دستور 2013


بعد انتفاضة 30 يوليو تموز من العام 2013، قام المجلس العسكري بتعطيل الدستور، وعزل الرئيس محمد مرسي، وتم تكليف لجنة من خمسين شخصية مصرية برئاسة عمرو موسى، لوضع دستور جديد للبلاد، وقد جاء الدستور الجديد، مفارقاً لدستور العام 2012 بعدد من الزوايا والنقاط الهامة، وبلغ عدد مواد الدستور الجديد 247 مادة منها 42 مستحدثة و18 مادة في باب الحقوق والحريات و45 تتحدث عن العمال والفلاحين.


صلاحيات الرئيس في الدستور الجديد


جاءت صلاحيات الرئيس في دستور 2013 مماثلة لتلك الصلاحيات الواردة في دستور 2012 بدرجة كبيرة حيث قصرت ولايته لفترتين كحد أقصى مدة كل منها أربع سنوات، ومنحته حق اختيار رئيس الوزراء لتشكيل الحكومة وعرض برنامجها على البرلمان.

لكن الدستور الجديد نزع من الرئيس حقق تعيين وزير الدفاع في فترتين رئاسيتين متتاليتين لبدء تطبيق الدستور الجديد، حال إقراره في الاستفتاء الشعبي، ونص الدستور الجديد على مادة تمنح مجلس النواب حق اقتراح سحب الثقة من الرئيس وإجراء انتخابات مبكرة بناء على طلب مسبّب وموقّع من أغلبية أعضاء مجلس النواب، وموافقة ثلثي الأعضاء.

وبمجرد الموافقة على اقتراح سحب الثقة، يطرح أمر سحب الثقة من رئيس الجمهورية وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في استفتاء عام بدعوة من رئيس مجلس الوزراء.

ونص الدستور الجديد على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع والمرجع في تفسيرها هو ما تضمنته مجموع أحكام المحكمة الدستورية في هذا الشأن، وألغيت المادة المفسرة لمبادئ الشريعة وهي المادة 219، لكن الدستور الجديد حظر قيام أحزاب على أساس ديني وهو ما لم يكن قائما في دستور 2012.

10