دعاء فاروق: مذيعة تستثمر في برامج الحلال والحرام

دعاء فاروق من نمط المذيعين الذين يوحون للمشاهد بأنهم متخصصون في كل شيء، لكن مشكلتها أن شهرتها الإعلامية عبر البرامج الدينية لم تكن كافية لأن تنسى عملها السابق في الدعاية والتسويق.
السبت 2021/07/24
نجومية تقوم على الاقتراب من عقول الجمهور من خلال البرامج الدينية

 ما زالت إحدى أبرز سلبيات الإعلام المصري محاولة بعض مقدمي البرامج توظيف ظهورهم على الشاشة للتقرب إلى الناس بالعزف على وتر الدين واستثماره في أغراض لا تهم الجمهور، مثل الشهرة والتربح والقفز إلى مرتبة متقدمة في “التريند” وزيادة نسب المشاهدة، ومع الوقت يتحول المذيع إلى شخصية تحيطها هالة قد تشبه القداسة، فلا يسمح أنصاره -أو أنصارها- بنقده باعتباره شخصا متدينا.
من هؤلاء الإعلامية دعاء فاروق التي وصلت إلى النجومية بالتركيز على البرامج الدينية والاقتراب من عقول الجمهور من خلال برامجها التي لا تزال تقدمها منذ سنوات، للحديث عن الفتاوى وشكاوى الناس اليومية والسؤال عن الحلال والحرام، والمطلوب فعله أو تجنبه، وما الذي يقود إلى الجنة وأيّ فعل تكون نتيجته نار جهنم؟
استثمرت فاروق ذكاءها وفصاحة لسانها ورصانتها في خلط الدين بالإعلام، وصنعت لنفسها شهرة واسعة، مع أن أغلب برامجها ذات أبعاد اجتماعية، وليست سياسية أو فنية. لكنها وجدت في هذه النوعية العصا السحرية التي جذبت الجمهور إليها في وقت قياسي عن طريق النبش في النواحي الدينية الشائكة. وتُحسب لها قدرتها على توظيف لقبها، كأول مذيعة مـحجبة على الشاشات المصرية تقدم برنامج منوعات منذ العام 2002، في أن تُقنع الناس بكونها إعلامية معتدلة تحترم العادات والتقاليد والأعراف التي يدمنها أغلب المصريين، ويتعاملون مع المذيعة المحجبة كأنها الأكثر احتراما من غيرها، والأجدر بمتابعتها وتصديق رسالتها ونصائحها.

ضعف البرامج السياسية

فاروق تقدم حاليا برنامج “اسأل مع دعاء” على فضائية “النهار” الخاصة، وتستضيف مجموعة من رجال الدين وتتلقى استفسارات الناس حول المسائل الحياتية والمجتمعية التي تحتاج إلى فتوى أو نصيحة، وهي نفس نوعية البرامج التي كانت تقدمها في السابق أثناء عملها في قناة “الحياة”، قبل أن تغادرها بدعوى أنها لا ترضي طموحاتها الإعلامية لأنها حصرتها في المذيعة الدينية.
عندما غادرت قناة “الحياة”، حين كانت مملوكة لرجل الأعمال السيد البدوي رئيس حزب الوفد السابق، تحدثت بطريقة توحي بأنها تحررت من السجن، لأن البرامج الدينية التي قدمتها لعدة سنوات فُرضت عليها، ولم تكن راضية عن هذا النمط لعدم رغبتها في أن يختزلها الجمهور في إطار ضيق مرتبط بالنواحي الدينية والفتوى والحلال والحرام.

أزمة البرامج التي يتم تقديمها على القنوات المصرية وتحمل أبعادا دينية أنها بلا رقابة حقيقية، أسهمت مع الوقت في أن يعيش الجمهور حالة رهاب جعلت الفتوى بالنسبة إلى أغلب الناس شيئا أساسيا في حياتهم

اللافت أن نفس المذيعة التي كانت تنتقد نفسها لوضعها في قالب ديني ضيق، باعتبارها مـحجبة، هي نفسها التي تقدم ذات النوعية من البرامج في الوقت الراهن، وتستضيف رجل دين وتوجه إليه الأسئلة وتستقبل مكالمات الجمهور حول المواقف الشخصية التي تتطلب رأي الشيوخ فيها، لكن يبدو أنها وجدت في هذا المنبر الشهرة والربح والوسيلة المثالية للنفاذ إلى عقول الناس لذلك لم تتخل عنه.
زادت البرامج المتخصصة في الفضائيات المصرية خلال السنوات الماضية بعد أن انخفض سقف البرامج السياسية، ووجد كثيرون وكثيرات فرصة للتطرق إلى برامج فنية واجتماعية ودينية وأخرى خاصة بالطهي، وهكذا عجت الشاشات بأنواع مختلفة من البرامج، بعضها اختفى والآخر نجح ولا يزال مستمرا، ومن بين ذلك برنامج دعاء فاروق. 
قالت في لقاء صحافي منذ خمس سنوات “كفى برامج دينية، لأنها تسببت في سجني داخل إطار ضيق صعب الخروج منه، ووجدت أنها لا ترضي طموحي، لكنني مدينة لها بأنها صنعت لي قاعدة عريضة من الناس”. واليوم تؤدي نفس الدور بعدما أدركت صعوبة التقرب إلى الناس عبر منابر أخرى، مثل الفن والسياسة، فقد صنع منها الإعلام الديني نجمة على الشاشة الفضية، لها حضور وتأثير كبيران.
أزمة البرامج التي يتم تقديمها على القنوات المصرية وتحمل أبعادا دينية أنها بلا رقابة حقيقية، وأسهمت مع الوقت في أن يعيش الجمهور حالة رهاب من فكرة الحلال والحرام، وجعلت الفتوى بالنسبة إلى أغلب الناس شيئا أساسيا في حياتهم وعدم الحصول على مباركة هذه الفئة من رجال الدين حول أي تصرف أو سلوك له عواقب وخيمة.
تُتهم هذه النوعية من البرامج بأنها السبب الرئيسي في هيمنة رجال الدين على المجتمع من خلال جعل الفتوى هي المسير الأساسي لحياة الناس دون إعمال العقل والمنطق والتصرف وفق ظروف الحياة الشخصية وتعقيداتها.
المثير للريبة أن الفتاوى في هذه البرامج تكون عامة، حيث يصدر الرأي الديني على الهواء مباشرة بلا مراعاة لخصوصية المستفتي ونسبية الواقعة التي يطلب فيها الفتوى. وأصبحت بديلا مثاليا عند شريحة من الناس عن المؤسسات الدينية الرسمية، وتحظى بنسب مشاهدة عالية لمجرد أنها تتطرق إلى قضايا اجتماعية تلامس الدين، وبحكم أن أغلب الناس متدينون بالفطرة ويتعاملون مع المنبر الإعلامي الديني باعتباره البصيرة التي تنير طريقهم وترشدهم إلى الصواب فإنهم يتابعونه بدقة ويتلقفون فتاواه لتطبيقها.

الزي المحتشم والتوظيف التجاري

الزي المحتشم والتوظيف التجاري

رغم خطورة الفتوى الإعلامية فإن فاروق لا تكل عن توظيف برنامجها في استقطاب الشريحة التي تتعامل مع فتاوى الشاشات بقدسية من أجل جلب حفنة من الإعلانات التجارية، بغض النظر عن هوية المنتج أو شرعيته وحصوله على التراخيص اللازمة، لكنها تتعامل مع الإعلام الديني بمبدأ الربح والخسارة، وهو ما ورطها في بعض المشكلات.
سبق لها أن استضافت مديرة شركة مستحضرات تجميل خريجة كلية تجارة، وقدمتها على أنها دكتورة وهي منتحلة صفة طبيبة، وسمحت لها عبر برنامجها بالترويج للأدوية التي تنتجها الشركة، وتتحدث عن مزاياها وقيمتها وأهمية اقتناء الناس لها، وتبين في النهاية أن الشخصية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمهنة الطب أو الصيدلة.
وخلال حلقة البرنامج أتاحت فاروق لخريجة كلية التجارة التحدث في أمور صحية وطبية بحتة، ووصف علاجات محظور على غير المنتسبين إلى مهنة الطب الحديث عنها، ما جعلها متهمة بتعريض حياة المشاهدين للخطر وتسهيل مهمة مدّعية في التحايل على الناس وتضليل المشاهدين، وحينها أصدرت لجنة الشكاوى بمجلس تنظيم الإعلام في مصر توصية بإحالة الواقعة إلى النيابة.
يمكن البناء على الواقعة بأن الإعلام الديني ليس دائما صاحب رسالة تنويرية، بل غالبا ما يتم توظيفه لأسباب أخرى على رأسها جني المال من خلال القاعدة الجماهيرية الكبيرة ونسب المتابعة المرتفعة. وعدد من أصحاب هذه المنابر لا يطبقون على أنفسهم مبدأ الحلال والحرام، بدليل إمكانية موافقتهم على تضليل الناس برسالة إعلامية وراءها مكاسب مادية ليست بالقليلة، ولو كان ذلك عن جهل.
بلغت درجة توظيف فاروق لشهرتها في الإعلام الديني حد أنها صارت تقدّم إعلانات ترويجية لمنتجات مرتبطة بالزي الذي تظهر به خلال البرنامج، مثل العباءة والحجاب والشال الذي يغطي كتفيها، وتقنع جمهورها النسائي بأن هذه الملابس مثالية، وهي نفسها تفضلها وتدعو المتابعات إلى اقتنائها لقيمتها وأناقتها، مقابل حصولها على عوائد مادية من ترويج المنتج. وأطلقت مؤخرا نوعا من الحجاب يحمل اسمها، وقالت إنه “ماركة فريدة”، وخرجت لتشرح مزاياه، ودائما تظهر على الصفحات الرسمية في منصات التواصل الاجتماعي التابعة لشركات الملابس، وهي ترتدي الزي الذي تنتجه وتبيعه الجهة كنوع من الدعاية، وتربط كل ذلك ببرنامجها باعتبارها تشتري هذا المنتج وتطل من خلاله على الجمهور بجاذبية متقنة.
أمام إدراكها أن برنامجها الديني حظي بشعبية واسعة أرادت أن تستثمر ذلك في توظيف جماهيريتها بأن تتربح من خلال حساباتها الرسمية على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث حولتها إلى منبر دعائي لأي منتج، مثل المنظفات والأدوية ومرطبات البشرة وأدوية الحشرات وغيرها، وهي نوعية من المنتجات تهم الكثير من الأسرة المصرية، وتحديدا الفتيات وربات البيوت، وبات لها جمهور عريض.
وقد تعرضت لموجة من الانتقادات مؤخرا بعد أن جعلت من حساباتها على الشبكات الاجتماعية مادة خصبة للتربح، مع تقليص مساحة النشر للمحتوى الإعلامي الهادف والتوعوي، وهو ما ردت 
عليه بأن المادة الإعلامية الثرية تقدمها في برنامجها عبر نخبة من الأطباء والشيوخ، ولا مانع من عرض صور لعلامات تجارية وفيديوهات قصيرة على الصفحة الشخصية.

تلميذة عمرو خالد

عمل فاروق مع عمرو خالد فتح لها باب الشهرة عبر الإعلام الديني، فهو من القلائل الذين يعرفون جيدا كيفية توظيف الدين في جني المكاسب.
عمل فاروق مع عمرو خالد فتح لها باب الشهرة عبر الإعلام الديني، فهو من القلائل الذين يعرفون جيدا كيفية توظيف الدين في جني المكاسب

تبدو فاروق من نمط المذيعين الذين يوحون للمشاهد بأنهم متخصصون في كل شيء، ويعرفون كل بواطن الأمور، مثل الطهي والماكياج والتربية الأسرية وعلاج الشيخوخة والتجاعيد والتعامل مع الابن العصبي والشفاء من بعض الأمراض وترويض الزوج وتقديم الحلول للمشكلات العائلية، ولا مانع من شرح الفوارق بين الأفعال المحللة والمحرمة بدعوى خبرتها الدينية.
وفي ظل هيمنة هذه الفئة من الإعلاميين على الشاشة سيكون من الصعب إصلاح المنظومة في مصر، لأن الدخلاء ودعاة الشهرة صاروا أكثر حضورا من الكفاءات، وطالما أن الدين أصبح أداة مثالية لزيادة مشاهدات البرامج بالسيطرة على عقول الناس واستعطافهم لن يكون من السهل إقناع الجمهور المتدين بالفطرة بضرورة إعمال العقل للتمييز بين الرسالة المهنية ونظيرتها الدينية التجارية.ولدت فاروق في كنف أسرة متوسطة الحال بمدينة طنطا التابعة لمحافظة الغربية بدلتا مصر، ونشأت على تربية عائلية تكرس العادات والتقاليد والأعراف الشرقية، ولم يعرف الجمهور أن أصولها تونسية سوى منذ فترة قصيرة عندما خرجت وأعلنت أن جدها من تونس وعندما جاء إلى مصر استقر وسط الدلتا وأطلق على قريته اسم “منشية العيّاري” نسبةً إلى عائلته.
بدأت حياتها الوظيفية بعد تخرجها في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية كمضيفة أرضية في مطار القاهرة، وبعد ذلك عملت مندوبة للمبيعات بشركة كبرى، حتى راودتها فكرة العمل في مجال الإعلام، وتقدمت بأوراقها لشبكة قنوات “إيه آر تي”، وتم قبولها للعمل كمذيعة لبرنامج منوعات وقررت عام 2002 ارتداء الحجاب، بعد ظهورها أربع سنوات بدونه.
بعد ذلك تنوعت برامجها على شبكة “إيه آر تي” بين الإخباري والشبابي والمسابقات والمنوعات، حتى انتقلت إلى قناة “اقرأ”، ووقتها كانت تابعة للشبكة ذاتها، وهنا كانت بدايتها مع الإعلام الديني من خلال تقديم برنامج “كنوز” مع الداعية الإسلامي عمرو خالد الذي ورثت عنه فن الشهرة من وراء البرامج التي أتقنها دعاة الجيل الرابع.
عمل فاروق مع عمرو خالد فتح لها باب الشهرة عبر الإعلام الديني، فهو من القلائل الذين يعرفون جيدا كيفية توظيف الدين في جني المكاسب، سواء شهرة أو مال وعلاقات، واستثمار هوس الناس بفكرة المذيع المثقف دينيا، حتى صارت إحدى تلميذاته في المجال ذاته، ونجحت في المهمة بجدارة وحققت المراد، بل حققت أكثر مما كانت تخطط له.
كان انتقالها إلى فضائية ”الحياة” علامة فارقة في مسيرتها الإعلامية، بعدما انخرطت بشكل أكبر في النواحي الدينية ببرامج حملت اسم “مجلس الفتوى” و”كلام من القلب” و”الدين والحياة”، وبعدها أنهت علاقتها بالمحطة وخرجت لفضحها وفتحت النار على إدارتها، لأنها تأخرت في صرف مستحقات العاملين بها، وهي واحدة منهم، وباحت بأسرار كثيرة تتعلق بالقناة.

12