دعاة على أبواب داعش يزيدون من تأزيم الخطاب الديني

الأربعاء 2015/03/11
المساندون لأفعال داعش يؤكدون حاجة الخطاب الديني الإسلامي إلى التجديد

لندن - ما يحدث في العراق من تدمير لتراثه وآثاره على يد عناصر داعش، جعل المنظمات الدولية والهيئات العالمية في مجال الآثار والتاريخ وعلى رأسها الأمم المتحدة ومنظمتا اليونسكو والإسيسكو، إضافة إلى المؤسسات الدينية والحقوقية وفي مقدّمتها الأزهر، تندد بهذه الأعمال التي هي إجرام في حق التراث الإنساني عامة، ولكن مقابل هذه المواقف تسمع أصوات تؤيد هذه الجرائم وتدعم توجهات مرتكبيها منطلقة من نفس رؤاها.

رغم أن الأزهر الشريف أصدر بيانا رسميا على موقعه الإلكتروني ذكر فيه أن تدمير التراث الحضاري محرّم شرعا ومرفوض جملة وتفصيلا، معتبرا أن ما يقوم به تنظيم داعش الإرهابي من تدميرٍ وهدم للآثار في المناطق الخاضعة لنفوذه في العراق وسوريا وليبيا بدعوى أنها أصنام، يعتبر جريمة كبرى في حق العالم بأسره، فإنه في مقابل ذلك نجد الداعية الكويتي إبراهيم الكندري يؤكد أن إزالة الأصنام والأوثان ضرورة شرعية، معتبرا أن ذلك ينسحب على الآثار التاريخية كأبي الهول والأهرامات.

نقلت صحيفة “الوطن” الكويتية في عددها الصادر الاثنين عن الكندري قوله “التعلل بأن الصحابة دخلوا مصر ولم يحطّموا الأهرامات وأبا الهول لا يجوز لأن التماثيل الفرعونية كانت مدفونة تحت الأرض ولم تخرج وتظهر إلا في القرون المتأخرة، ومن المعلوم أنه كان في مصر وفي غيرها معابد كثيرة فهدّمها المسلمون وحطموا الصور وكسروا الأخشاب والأحجار التي تحمل هيئة الأصنام”.

الأزهر: ما يقوم به تنظيم داعش الإرهابي من تدميرٍ وهدم للآثار في المناطق الخاضعة لنفوذه في العراق وسوريا وليبيا بدعوى أنها أصنام، يعتبر جريمة كبرى في حق العالم بأسره

هذه الرؤية تخالف إجماع المؤسسات الدينية التي نددت بهذه الأفعال وقد جاء في بيان الأزهر “تجريف داعش مدينة نمرود الآشورية الأثرية شمال العراق، جريمة بشعة استباح فيها معالم أثرية تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، واعتداء صارخ على قيم تاريخية وإنسانية وإرث إنساني يجب الحفاظ عليه، ولا يجوز الاقتراب منه أبدا، وما يقوم به تنظيم داعش الإرهابي من تدمير للهوية وطمس لتاريخ شعوب بأكملها، جريمة حرب لن ينساها التاريخ ولن تسقط بالتقادم”.

في حين نرى أن الكندري يقول منطلقا من قراءة مستندة على قصص دينية وتاريخية لا زالت من الشوائب التي لا بد من تنقية كتب التراث منها، “حتى وإن ثبت أن الصحابة وعلى رأسهم عمرو بن العاص لم يحطموا الآثار عند دخولهم مصر، فهذا لا يغيّر من الأمر شرعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بتحطيم الأصنام التي كانت في مكة”.

وأردف الكندري قائلا إن “أعظم المصالح على الإطلاق إقامة التوحيد وتشييد أركانه، وهدم الشرك وآثاره، ولا مفسدة أعظم من ترك صروح الشرك والوثنية عند القدرة عليها، وقصة سيّدنا إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرآن خير دليل على ذلك، إذ تبيّن كيف حطم الأصنام ولم ينظر إلى المصالح المزعومة على الرغم من كونه كان مستضعفا، وبالتالي فالعبرة بإزالة الأوثان حتى وإن لم تكن تعبد”.

ويرى الأزهر أن هذه الجماعات المتطرفة “تُبدع في إفزاع الناس ببشاعة جرائمها، التي تدّعي كذبا استنادها للدين والدين منها براء، فتارة تُحرق وأخرى تذبح، وثالثة تُدمر الحضارات وتقضي على الثقافات والأعراق، منفذة بذلك أجندة استعمارية تهدف إلى إفراغ أوطاننا العربية والإسلامية من مكوناتها التراثية والثقافية”. هؤلاء المساندون لأفعال داعش ومثيلاتها من الحركات المتطرفة يزيدون تأزيم الخطاب الديني الذي لا زال يبحث عمّن يبث فيه دماء التجديد لكسر كل التأويلات التي حادت بهذا الخطاب عن الدعوة السلمية ليتجه صوب التطرف.

الخطاب الديني الذي يقوم بتوجيهه الدعاة والأئمة في حاجة إلى التجديد بكل حرص حتى يتم القضاء على هذه الدعوات التي تبرر للحركات الجهادية أفعالها

من جانب آخر ورغم أن مجلس الوزراء السعودي أدان في جلسته الماضية قيام الجماعات المتطرفة في الموصل، باستهداف الأبرياء من الشعب العراقي والتضييق عليهم في عيشهم وتدمير تراثهم الثقافي، فإن الحديث عن تحطيم داعش لآثار العراق أدى إلى إنهاء محاضرة مقامة على هامش معرض الكتاب في الرياض.

وكان معجب الزهراني، عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، قد عرّج بالحديث خلال ندوة بعنوان “الشباب والفنون.. دعوة للتعايش” عن قيام تنظيم داعش وتحطيمه للآثار بدعوى حُرمتها ليدخل المحتسبون في نقاش حاد معترضين على حديثه بدعوى أن وجود مثل هذه الآثار والتماثيل من الشركيات مستشهدين بقيام النبي صلى الله عليه وسلم بتحطيم أصنام مكة يوم الفتح، في حين حاول الزهراني توضيح الفارق بين الأمرين إلا أن النقاش احتدم بين الطرفين.

ويبدو أن الخطاب الديني يشهد أزمة عميقة من حيث تعدد المرجعيات والتفسيرات، رغم الدعوات المتكررة إلى تجديده، حيث لم تتخذ الهيئات والمؤسسات الدينية خطوات جادة لتنقية كتب التراث والتاريخ الإسلاميين ممّا علق بها من قصص لا تمت للدين بصلة وتواتر ذكرها كمرجعيات وفسرت وأوّلت حسب أهداف من يوظفها ليضفي شرعية على أعماله، وهذا ما تقوم به داعش ومثيلاتها من حركات الإسلام السياسي العنفية.

ومع افتقاد العلماء للمعنى الحقيقي لمهامهم كدعاة للحق وإلى قواعد الإسلام الوسطي، قويت الجماعات المتطرفة في الفكر والسلوك، مُبادرة إلى تسويق الإسلام، باعتباره دين السيف ودين القوة المتنصلة من الرحمة، وأن الإسلام يدعو إلى الإرهاب.

فالخطاب الديني الذي يقوم بتوجيهه الدعاة والأئمة في حاجة إلى التجديد بكل حرص ودقة، حتى يتم القضاء على هذه الدعوات التي تبرر للحركات الجهادية والعنفية أفعالها، وفي هذا الإطار يوضح محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، أن الأمر يتطلب تجديدا حقيقيا للخطاب الديني، وتعديلا لسلوك ومعرفة المسلمين، بما يتماشَى مع جوهر الدين الإسلامي، ليظهر ذلك مُترجما في مفاهيم لا تخرج عن إطار المقاصد الشرعية المؤسسة للفكر الإسلامي المستنير، والذي لا يهدف إلى التكفير أو الإقصاء بل يهدف إلى احتواء الجميع، والحد من الأفكار الجهادية التي زرعتها بعض الجماعات.

13