"دعدشة" الثورة العراقية ومستقبلها

الأربعاء 2014/06/18

الثورة العراقية الحالية ليست وليدة اللحظة، لأن انهيار مدن بأكملها وتلاشي جيش بهذه السهولة، يقومان دليلا على وجود شعب مضطهد ومظلوم ويتوق إلى الخلاص الكلي، وبناء دولة الكل الاجتماعي، وليست القضية قضية «سنة» أو تنظيم إرهابي اسمه «داعش».

مع بدء الثورة وصمها الإعلام وكثير من الكتاب الليبراليين والماركسيين، بأنها المجرمة داعش وقد مدت نفوذها من سوريا إلى العراق، أو عادت إلى موطنها الأصلي. ولكن بعد أيام قليلة، بدأت همّة الذين شيطنوا الثورة بالخفوت، وراحوا يزاوجون بين داعش وكتائب من الجيش القديم والعشائر، وبالتالي بدؤوا يقرون بوجود ثورة شعبية.

ثورة العراق الحالية هي التاريخ وهو ينتقم لنفسه من نظام تشكّل لخدمة إيران وقبلها أميركا، واستبعد كتلة بشرية كبيرة من كافة العراقيين، وذلك بعد أن حُلًّ الجيش وطرد العاملون من الدولة، وبنى النظام على أحزاب الطائفية الشيعية وليس الشيعة وكتلة صغيرة سنية أجبرت على أن تكون طائفية، ولكن لا قيمة لها بالنظام ولا بالجيش ولا دور فاعلا لها في الدولة.

الشعب أعلن منذ عام 2012 اعتصامه المفتوح في الأنبار، رد المالكي بأن داعش هي وراء كل ذلك، وقام لاحقا باقتحام الاعتصام وقصف المدن وقتل الناس. هذا الوضع، مع ما سبق، دفع العشائر وحزب البعث القديم وفصائل مقاتلة إلى تشكيل مجالسها العسكرية في كامل العراق بما فيه الجنوب، مستندين إلى عمل سياسي سابق خفي، يقرأ الواقع جيدا ولا يقوم باحتجاج أو انتفاضة في مدينة واحدة، بل ينتظر ساعة الثورة كي ينتصر ويتجاوز أخطاء المقاومة التي فشلت بعد 2003، وهو ما يحدث الآن.

المالكي تسنده إيران، وإيران أخذت قائد فيلق القدس (قاسم سليماني) من سوريا إلى النجف ثم بغداد، فأمر بفتاوى طائفية وبدأ يعدّ العّدة لمواجهة الثورة، وتمّ استدعاء الميليشيات الطائفية العراقية من سوريا للدفاع عن النظام. إذن أصبح العراق تحت إشراف إيراني مباشر، ولكن ثورة العراق ليست فوضوية كالثورة السورية، فهي منظمة كما توضح بيانات مجالسها السياسية ومختلف الأحزاب والقوى السياسية، والجميع يعلن بوضوح أنّ الهدف نظام جديد لصالح الكل الاجتماعي، إذن لا مفر لإيران من فهم الرسالة جيدا، وهي أن المالكي بصفته بيدقا، أصبح خارج اللعبة، والممكن الوحيد هو مفاوضات بين الكتل السياسية ورد المظالم عن الناس وإلغاء كل القوانين التي تخص حزب البعث القديم وملفات الفساد والطائفية والدستور، وبدء عملية سياسية جديدة، تلغى فيها الأسباب الدافعة للفدرلة أو التقسيم أو التمييز على أساس الطائفة. هذا واحد من «السيناريوهات» للعراق.

إيران غازلت أميركا بالقول إن العراق يواجه الإرهاب الداعشي، وهي تريد موافقتها لتبدأ عملية غزو العراق أو التدخل المحدود. رسالة إيران موجهة إلى الثورة كذلك، بأن حصتها لن تزول نهائيا وأنّها تعقد الصفقات، وستغرق الثورة في حرب طائفية تدمر العراق أكثر مما هو مدمر. المالكي مستفيد من هذه الأجواء ويحاول زج فقراء «الشيعة» في المحرقة حتى تتضح معالم الصفقات. التصريحات الأميركية تقول: لا تَدخّل.

البارجة الأميركية تحركت نحو الخليج، فهل من تناقض؟ أظن أن ذلك يأتي في سياق الضغط على الثورة. وهذا هو الممكن الآن كما تقول الوقائع، وهنا لا يفوتنا الذكاء الإيراني، حيث أن حربا طائفية ستخسر فيها إيران الكثير، سيما وأن المعركة في سوريا أهم وأخطر بكثير، فالعراق في كل الأحوال لن يكون قوياً ولو عاد البعث نفسه إلى السلطة، فهو مدمر ويحتاج مليارات الدولارات لإعادته عراقا، إذن الحل السياسي هو الممكن، وهذا هو هدف التنسيق الإيراني الأميركي.

دول الخليج لا تزال صامتة ومتوجسة مما يحدث. هذه الحيرة متأتية كذلك من الموقف الأميركي المنسحب من قبل، ولكن المعطى الجديد، المرتبط بالتغيرات في العراق وما قد تفرزه من مآلات، قد يغير الحسابات الأميركية لجهة الضغط على كافة الأطراف لإيجاد حل سياسي، وهو ما يخدم دول الخليج- وتسعى إليه- الساعية دوما إلى إنهاء النزاعات.

داعش التي أعيدت لها الحياة مع تفجر الثورة السورية، ليست سوى شماعة لكل أشكال التدخل وتدمير الثورات، ودورها يقوم على إعادة تشكل التنظيم الأم: القاعدة. قوتها في العراق، كما تبرز الوقائع ذلك، هامشية، وكل القوى السياسية والعسكرية تتبرأ منها، كما تتبرأ كل القوى الشيعية من المالكي وتدفعه للرحيل.

هذه القوة الأصولية المتطرفة تشكل خطرا كبيرا إن سارت الأمور نحو إغراق العراق في حرب طائفية، وتركه دون الاستجابة لمطالب الثورة بإنشاء نظام جديد وبرفع كل أشكال التمييز بعد 2003.

خطورة داعش أنها ستكون المكافئ الأصولي لقوات المالكي الطائفية، وستكون لعبة استخباراتية لدول المنطقة لتدمير الثورة العراقية، كما يتم في سوريا. بكل الأحوال الثورة يسودها الميل الوطني، وقد تحقق أهدافها في «دولة لكل العراقيين».


كاتب سوري

9