دعم أميركا للإخوان.. جنون

الاثنين 2013/09/02
الجيش المصري تدخل في الوقت الحاسم

يعرّف الجنون بأنه تكرار نفس الخطأ باستمرار مع انتظار نتيجة مختلفة. ذلك التوصيف ينطبق للأسف على مواقف وسياسات الولايات المتحدة تجاه الكثير مما يحدث في مصر وفي العالمين العربي والاسلامي.

لقد مر الأميركيون بنفس التجربة من قبل مساندين غالبا ما يُعتبر خطأ انتصارا لشكل من أشكال الحركة الديمقراطية على نظام فاشل ويتبين في آخر المطاف أنه مدمر بشكل كبير للمصالح الأميركية.

لا ننسى أن الانتخابات في ألمانيا أدت إلى تعيين هتلر مستشارا لألمانيا في سنة 1933 والجميع يعلم ما ترتب عن ذلك من نتائج . كما كان فيدال كسترو محاربا من أجل الحرية يصارع حكومة باستيا الفاسدة في كوبا قبل أكثر من نصف قرن. وعندما عاد آية الله روح الله الخميني البالغ من العمر 77 عاما عودة المنتصر إلى طهران في بداية سنة 1979 ليأخذ مكان الشاه علق الصحفي المشهور في جريدة «نيورك تايمز» ر.و جوني أبل مفتخرا بقوله «بحر من الإنسانية» غمرت الشوارع.

كثير من الناس ينددون بعزل الجيش المصري لحكومة منتخبة ذات عيوب غير قابلة للإصلاح وعاجزة وخطيرة. بيد أنه يغيب عن بال هؤلاء أن حكومة محمد مرسي سواء كانت منتخبة أو غير منتخبة إضافة إلى دور الإخوان المسلمين في مصر كانت تهديدا للشعب المصري وما يحدث لاستقرار المنطقة.

في أحسن الأحوال محمد مرسي ليس صديقا للغرب، وفي أسوئها كان من الممكن أن يسيطر التطرف الإسلامي والطائفي على أكبر دولة في العالم العربي وما يحمل ذلك من نتائج كارثية للمنطقة وليس أقلها لإسرائيل واستمرار اتفاقيات كامب دايفد للسلام. إن الثورة العارمة التي قام بها الشعب المصري ضد حكم مرسي الإخواني كان متوافقا بشكل كبير مع إعلان الاستقلال الأميركي فيما يخص منح الشعب الحق في تغيير الحكومة المدمرة أو إلغائها ثم تعويضها . لكن للأسف ما يظهر في المنطقة ليس ثورة عام 1776 بل شيء أشبه بثورات 1789 و1848 و1917.

كانت العوامل الدافعة تتضمن السعي للكرامة والعدالة الاقتصادية والعداوات التاريخية والدينية والسياسية القديمة إلى جانب التنافس على السلطة والصراعات بين الدول العربية والإسلامية والشرق الأوسط والخليج الفارسي وهي عوامل زادت في حدتها الأصولية التي تسعى إلى نشوء شبكة إسلامية قوية تشبّه عادة بخلافة جديدة.

إن الولع الأميركي بالديمقراطية كثيرا ما يكون في غفلة عن الحس المشترك ويمكن أن يشَوّه ليصبح حملة صليبية وحتى هاجسا يترجم عن طريق فرض قيم غربية أو أميركية على مجتمعات ستقوم برفضها. وربما كانت التجربة الناجحة عقب الحرب العالمية الأولى حيث أجبر محور العدو على التحول إلى دول ديمقراطية ناجحة قد أثر على النفسية الأميركية، وحسب مفهوم بافلوف أصاب بالعدوى الحمض النووي لصناعة السياسات في واشنطن.

ومن ثم فإن الحملة الصليبية في أروبا مثلما تحدث عنها «دوايت أيزنهاور» تبلورت في شكل حملة في جنوب شرق آسيا في الستينات من القرن الماضي والخليج الفارسي في سنة 2003 مع إفراز نتائج لا تتماشى مع ما تريده الولايات المتحدة. والآن يكرر نفس النموذج مع البلدان العربية والإسلامية.

ما سمي بالصحوة العربية –أو الربيع أو الشتاء – ليس كذلك، بينما أحق بهذه التسميات ثورة فرنسا لسنة 1789 التي أفضت إلى عقد ونصف من الحرب الشاملة، وثورة 1848 التي أدت إلى تركيز أنظمة فردية لم تتمكن من البقاء طويلا، والثورة البلشفية لسنة 1917 التي تواصلت لأكثر من سبعة عقود إلى أن سقط الاتحاد السوفياتي تحت وطأة ثقله وعدم كفاءته. ووراء العنف الذي يعم مصر وليبيا ولبنان واليمن والعراق (إضافة الى أفغانستان وباكستان) وهو من أعراض هذا الغضب، تحدث تغيرات جذرية في العالمين العربي والاسلامي لتعيد تشكيلهما متسببة في نتائج غير منتظرة وغير قابلة للرجوع.

وكما سأل لينين بطريقة استفزازية «ما العمل؟». أحد الأجوبة الممكنة هي «عودة الولايات المتحدة إلى الديار» نائية بنفسها عن كل تورط أو حروب خارجية تسببت في إفلاس الأمة وإضعاف تأثيرها. وهناك رأي معاكس يدعو إلى مشاركة أوسع مثلا عبر إطلاق هجمات جوية على سوريا لتعطيل تفوق دمشق الجوي على المعارضة فضلا عن تدمير الأسلحة الكيمياوية.

والطريقة الثالثة تتمثل في تطبيق بيان سياسة الاحتواء الذي أفشل طموحات الاتحاد السوفياتي. إن الحل لا يكمن في تعزيز الديمقراطية بالرغم من أنه يمكن أن يكون تكتيكا جيدا مثلما برهن على ذلك استعمال الديمقراطية وحقوق الانسان لإرباك الكرملين. يجب أن توجه السياسة الأميركية أولا وقبل كل شيء نحو تفادي تفجر الأصولية الإسلامية في المنطقة، وبناء على ذلك وفي الوقت الراهن يجب التسامح مع سيطرة الجيش المصري على السلطة.

أما في مصر فالهدف يجب أن يكون الحد من العنف وليس مناصرة النظام السوري (مهما كان بغيضا) أو المعارضة التي تقع تحت سيطرة الأصولية أكثر فأكثر. الخطر والامتحان هو مدى قبول منظومة الحكم الأميركية المحطمة مثل هذه المقاربة العقلانية وغير الأيديولوجية للسياسة الخارجية.

محلل استراتيجي في المجلس الأطلسي في واشنطن

7