دعم إيراني لا محدود.. وثورة يتيمة

الخميس 2013/08/15

كلما ضعف النظام السوري في مواجهة الثورة، كلما قوي التدخل الإيراني في المعركة ضد الشعب؛ ليست العلاقة جديدة بين النظامين، بل هي قديمة ومنذ الثورة الإيرانية، حيث وقفت سوريا إلى جانب إيران ضد العراق المتصارع مع سوريا من قبل، بعكس بقية الدول العربية التي اصطفت إلى جانب العراق حينذاك، لتتأسس علاقة وطيدة بينهما، منطلقة من أن المنطقة تحكمها ثلاث دول أساسية: تركيا وإيران وإسرائيل، وعلى بقية الدول اللعب في هذا الإطار.

إيران تحتاج سوريا، لأنها صلة الوصل مع حزب الله، الحزب المقاتل في الاستراتيجية الإيرانية؛ وقد خلقته إيران بإشراف مباشر، عبر مفهوم ولاية الفقيه، والتبعية الكاملة لسياساتها؛ ودعمته منذ ذلك الوقت بالمال والسلاح وكل ما يحتاجه، وهو لم يتأخر يوماً عن تنفيذ كل ما تشاء. إن الممر الإجباري لتلك العلاقة هو سوريا، عدا عن أن سوريا أدخلت إيران بكل ما يخص مواجهة إسرائيل والمقاومة، وفي إقامة توازن ضد السعودية والعراق، وبالتالي تشكلت علاقة استراتيجية بين الدولتين؛ إذن سوريا ليست شريكاً قابلاً للمساومة، ولن يتراجع الموقف الإيراني، فهي ضمن الأمن القومي لإيران.

زاد الطين بلّة أن حجم التدخل الإيراني مع بداية الثورة أصبح أكثر من علاقة دولتين، فإيران تخطط وتعمل مباشرة ضد الثورة، حيث قدمت دعماً سياسياً ومالياً وإعلامياً، متبنية رواية النظام السوري عن الثورة كما هي، وذلك باعتبارها مؤامرة أميركية وصهيونية، وفتنة طائفية مدعومة من السعودية ودول الخليج والحريري في لبنان، وتشكل تهديداً لتيار المقاومة والممانعة، وهي ضد إيران بالتأكيد؛ وهنا يشار إلى أن إيران دفعت قرابة عشرين مليار دولار للحكومة السورية، منذ بدء الثورة، وأجبرت حكومة المالكي على دفع قرابة عشر مليارات، عدا عن إيصال نفط بما يعادل 290 ألف برميل نفط يومي مجاناً، ومحاولة إيصال شحنات السلاح بشكل مستمر؛ وفي الإعلام اصطفت قناة «المنار» و»إن بي إن» وسواها وصحف لبنانية بشكل حاسم ضد الثورة.

إذن هناك تحالف استراتيجي بين الدولتين؛ ففي الوقت الذي توقفت العلاقة التركية- السورية والقطرية- السورية، تقدم الموقف الإيراني، وصمت العراق عن الدور السوري هناك، واندفع حزب الله لتعطيل أي حياة سياسية في لبنان، تسمح بموقف متقدم ولو على صعيد إغاثة السوريين داخل لبنان، أو تسهيل وصول اللاجئين إليه، الأمر الذي يؤكد أن الموقف الإيراني لن يتزحزح، وهو ذاهب مع النظام السوري إلى نهاية ما ستستقر عليه الأوضاع في سوريا، حينها إما أن يخسر كل شيء وذلك في حال سقوط النظام، وإما ستترتب مصالح جديدة لإيران في حال انعقاد صفقة ما، وهو ما سيضمن لها مصالحها في إطار المفاوضات الخاصة بالملف النووي وسواه من ضمان مصالحها في العراق، وترتيب وضع حزب الله؛ وبالتالي كل من يعول على إمكانية تغيير في الموقف الإيراني هو مجرد واهم.

ويستند هذا الحلف إلى موقف روسي إمبريالي يريد إعادة تقسيم العالم والهيمنة عليه، وتقع سوريا في صلب ذلك الاهتمام، وهو ما لوحظ خلال العامين المنصرمين، لنصل لخلاصة أن الموقف الروسي لن يتغير كذلك، والممكن الوحيد روسياً وإيرانياً هو في دعم النظام، ومحاولة إنقاذه بكل الطرق.

ما يعطي مؤشرات قوية لهذا الموقف هو ضعف الدور الغربي، وتبعية الموقف العربي للأميركان، ورغبة الجميع في إيقاف الثورة، ومنع انتصارها بأي شكل من الأشكال، ففي هذا مصلحة لدول الإقليم ودول العالم؛ هذا ما لم تفهمه المعارضة، وهي بالأصل لا تريد أكثر من أن تكون السلطة البديلة ضمن عالم العولمة الفسيح.

ولهذا خضعت لما يريده الغرب، وتم تطويعها وتدجينها لتوقّع على جنيف في حال اتفقت أميركا وروسيا على القضايا العالقة بينهما، وبما يبقي سوريا تحت الإشراف الروسي؟

هناك حجة يقدمها بعض ممن لم يفهم السياسة جيداً تقول: ألا تعلم إيران أن النظام سيسقط، وبالتالي ستخسر كل شيء.

هذه الحجة تتجاهل أن الممكن الوحيد في ظل هكذا معارضة، وفي ظل التحالف الدولي الرافض للثورات، هو عدم السماح بإسقاط النظام بأي شكل كان، عدا عن وجود تحالف استراتيجي بين الدولتين، وبالتالي أي سقوط للنظام في سوريا، سيعني انحسار الدور الإقليمي لإيران في المنطقة برمتها، وكذلك الدور الروسي.

ما يغير هذه الإمكانية ويؤدي إلى السقوط، هو شرط عربي ثوري، يحدث قطيعة مع مصالح الغرب، ويقدم دعماً شعبياً ضد التحالف الإيراني الإقليمي؛ ولكن غياب هذه الإمكانية، ودخول دول الثورات العربية بمشكلات خاصة بها، ومنها الرفض الشعبي العارم للتوجهات الإخوانية فيها، والتباس صورة الثورة السورية لدى العرب، وشيطنتها بكونها ثورة سنية (إخوانية) مدعومة من السعودية والخليج؛ وهذا ما لا يلاقى هوىً عربياً، فهناك رفضٌ لتلك الدول بالأصل، وبالتالي ليس من عرب مع السوريين، وتترك ثورتهم يتيمة ضد هذا التحالف الإيراني الصلب.

النظام الآن يعتمد اعتماداً كلياً على الخبرات والمال والرجال، القادمين من هذا التحالف، واستمراريته منذ عام، وبشكل رئيسي منذ معركة القصير، متعلقةٌ بالتدخل الإقليمي، وهو يفترض أن كل تراجع للنظام، سينعكس على كل من العراق وإيران، وحتى على وضع حزب الله في لبنان، وهذا أمر معروف تماماً لدى هذا الحلف؛ وإن انتخاب حسن روحاني كرئيس جديد لإيران يخفف فقط من «زعيق» أحمدي نجاد، وبالتالي لن يتغير الموقف الإيراني، المدعوم بموقف روسي وتحالف إقليمي؛ وعلى الثورة أن تعي هذا الشرط، وتسقط المعارضة التي تسلطت عليها، وأن تعيد تأهيل نفسها لإحداث تغيرات كبيرة في سياساتها بما ينسجم مع وضعها ومع الممكن إقليمياً ودولياً، وبما يحقق أهدافها.

8