دعم الدولة للصحافة الحزبية في المغرب يبقيها على قيد الحياة

تمويلات الدولة والحزب لا تعفي الصحف المغربية من مهمة كسب الجمهور.
الثلاثاء 2021/03/30
القارئ الضامن الأساسي لاستمرار الصحافة

دعم الدولة والحزب لا يكفي الصحف الحزبية في المغرب لتبقى موجودة في المشهد الإعلامي، إذ أنها تحتاج إلى أن تواكب التطورات التكنولوجية والمهنية وتقترب من الجمهور من خلال تقديم محتوى يرقى إلى اهتماماته، لا أن تكون صوتا للأحزاب التابعة لها فقط.

الرباط - تحظى الصحف المغربية الحزبية بدعم الدولة ما جعلها تبقى صامدة في وجه الأزمات الاقتصادية الحادة التي لحقت بقطاع الصحافة والإعلام في العالم أجمع، غير أنها تشهد تراجعا على مستوى الإقبال الجماهيري وتحتاج إلى إعادة النظر في تعاطيها مع الجمهور.

ويدور النقاش في الوسط الصحافي المغربي حول مدى حضور ودور الصحافة الحزبية في المشهد السياسي والاجتماعي بالمغرب، ففي حين يرى بعض المهنيين أنها انتهت ولم تعد تواكب المتغيرات داخل المجتمع وفي الفضاء الرقمي وتحكمها نظرة أيديولوجية، يجادل آخرون بأن هذا النوع من الصحف يمكن أن يعطي الكثير إذا أعيدت هيكلته من جديد وتجاوز أسباب أزمته المهنية.

وأكدت حنان رحاب، نائب رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، أن الصحافة الحزبية لم تعد لها نفس الوضعية الاعتبارية التي كانت لها في السابق، لأنها لم تعد وحدها الموجودة في الصحافة المكتوبة، ولم تعد وحدها تمثل السلطة المضادة.

وأوضحت رحاب في تصريح لـ”العرب”، “القول إن وجود الصحافة الحزبية مرتبط بالدعم العمومي مجانب للصواب، لأنه توجد منابر صحافية حزبية تصدر عن شركات، صحيح أنها تابعة للحزب، ولكنها تتوفر على مقومات التسيير والتدبير الذاتيين وموارد بشرية مهنية مهمة ومكاتب خارجية ومراسلين، وهو ما لا يتوفر حتى في المؤسسات الإعلامية الخاصة”.

ويأتي حديث رحاب تعليقا على دراسة ميدانية نشرها “مركز معارف للدراسات والأبحاث”، بعنوان “الصحافة الحزبية بالمغرب في خضم معركة كسب الجمهور.. هل ينجح رهانها على الصيغ الرقمية؟”، حيث قالت إن “الصحف الحزبية باقية ما بقي الدعم العمومي والحزبي لها”، مشيرة إلى أن “معدل قراءة الصحف الورقية عامة والصحافة الحزبية خاصة هزيل جدا”.

حنان رحاب: الصحف بدأت توسع المسافة بينها وبين الأحزاب التابعة لها
حنان رحاب: الصحف بدأت توسع المسافة بينها وبين الأحزاب التابعة لها

ويملك 19 حزبا سياسيا من أصل 34، مواقع إلكترونية رسمية إلى جانب نسخة رقمية تابعة للجريدة الورقية، بينما يوجد 15 حزبا، لا تملك مواقع إلكترونية رغم تواجد المغاربة بقوة في الفضاء الرقمي.

وأوضح صاحب الدراسة الباحث عبدالله أموش، أنه من خلال الرجوع إلى الأحزاب السياسية وجد أن بعضها لديه صفحة أو صفحات رسمية على منصات مواقع التواصل الاجتماعي إمّا ناشطة ومتفاعلة وإمّا متعثرة، إضافة إلى قناة رسمية على يوتيوب.

وركزت الدراسة على فئة المتعلمين الحاصلين على شهادة جامعية لتكون ضمن الطبقة الواعية المثقفة والقادرة على شراء وقراءة الصحف الورقية وتصفح الرقمية.

وأوضحت أن الصحافة الحزبية الرقمية لم تستطع الانتشار وإثبات وجودها على الساحة، وفشلت في كسب رهان تجـاوز الانحسار الحاصل لدى نظيرتها الورقية، وذكرت أن تصفح الصحف الرقمية الحزبية ضعيف رغم العدد الكبير من المغاربة الذين يتصفحون الصحف الرقمية غيـر الحزبية.

وأقرت حنان رحاب التي تشغل مقعدا بالبرلمان عن الاتحاد الاشتراكي، بأن ارتباط الجريدة بالحزب يحد من حريتها نسبيا لأنها يجب أن تكيف خطها التحريري مع توجهات الحزب وتصوراته وقيمه، مشيرة إلى أن الأمر يزداد صعوبة حين يكون الحزب مشاركا في الحكومة.

واستدركت رحاب أنه في السنوات الأخيرة، “لاحظنا أن الصحف بدأت توسع المسافة بينها وبين الأحزاب التابعة لها، حتى أن بعض الأحزاب أصبحت لديه قناعة بأن جريدة الحزب لا يجب أن تتحول إلى ما يشبه المنشور الحزبي”.

ووفق رحاب تمكن مقارنة عناوين وتصميمات وتوزيع الأبواب والموضوعات المثارة وزوايا المعالجة في الصحافة الحزبية اليوم مقارنة بالماضي، حتى إنها بدأت في استقطاب كتّاب رأي بأعمدة ثابتة من خارج الحزب.

ويرى مهنيون أن ظهور المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، جعل من وصول المعلومة متاحا وسهلا، ما أثر على المؤسسات الصحافية الإعلامية الحزبية مؤكدين أن الثورة الرقمية زادت من ضعف المحتوى إضافة إلى التحكم السياسي من طرف قيادة الحزب على طريقة ومجال تقديم المعلومة في الصحيفة الحزبية.

وترى رحاب أنه بخلاف الصحافة المكتوبة ليس هناك تقريبا حضور قوي للصحافة الحزبية في العالم الرقمي، وغالبا ما تعتمد الأحزاب على موقع خاص بالحزب عوض إنشاء صحيفة إلكترونية.

وأضافت أن أغلب التقاليد الصحافية والمهنية التي يشتغل بها الجيل الجديد من الصحافيين اليوم هي من منتوج ما تطور داخل الصحافة الحزبية.

ويقول متابعون للمشهد الصحافي في المغرب، إن الأزمة ليست حكرا على الإعلام الحزبي ولكن تشمل الإعلام المطبوع بشكل عام، مضيفين أن فعالية الصحافة الحزبية تتوقف على تناغمها مع الثورة الرقمية ونجاحها رهين تغيير نظرة قيادة الحزب إلى الإعلام الرقمي والانفتاح على محتوى يواكب ما تتطلبه المرحلة، في وقت أضحى فيه اقتناء الصحف الحزبية ضعيفا.

وقد استنتجت الدراسة أن مواكبة التطور العالمي في مجال الصحافة بالتحول من الصحافة الحزبية الورقية إلى الرقمية ليس كافيا للفوز بالرهان، فالرهان الأكبر هو كسب الجمهـور واستقطابه وتقديم محتوى يحظى باعترافه، وأن المسألة لا تتعلق بمجرد تحويل جريدة ورقية إلى جريدة رقمية متصلة بشـبكات التواصل الاجتماعي، وإنما بالقدرة على الوصول إلى الفئات العريضة.

وبحسب الدراسة، فإن نسـبة 65.3 في المئة مـن المستطلعة آراؤهم تداوم على تصفـح الصحف الرقمية، بينما يقوم 22.1 في المئة بالجمع بيـن قراءة الصحف الورقية وتصفح الصحف الرقمية، فيما لا يقرأ 10.6 في المئة لا الصحف الورقية ولا الرقمية، وتبقى نسبة صغيرة متمثلة فقط بـ2 في المئة هي التي تقوم بقـراءة الصحف الورقية اليومية.

وتناولت الدراسة وضعيات 11 جريدة حزبية من أصل 16 تابعة للأحزاب الكبرى بالمغرب، فيما استطاع 83 في المئة من المشاركين أن يذكروا جريدتين حزبيتين، “العلـم” و”الاتحاد الاشتراكي” وتتبعهما جرائد أخرى، وتدل هـذه النتيجة على أن قدم الجريدة وقـوة الحزب لهما تأثير على شعبيتها.

وقالت الدراسة أن 37.1 في المئة يقرأون الصحف الورقية الحزبية نادرا، بينما يقرأ 29.9 في المئة الصحف الورقية الحزبية أحيانا، فيما لا يقرأ 21.3 في المئة مـن عينة البحث تلك الصحف إطلاقا، ويداوم 11.7 في المئة على قـراءة الصحف الورقية الحزبية.

وخلصت إلى أن هذه المعطيات “تـدل على ضعف وتيرة قـراءة الصحف الورقية الحزبية”، كما تؤشر على “عـدم انتظام قراءة الجرائد الحزبية إلا أحيانا أو نادرا”.

18