دعم مراجعات المتشددين.. ضرورة دون نجاحها عوائق كثيرة

قال العديد من خبراء الإسلام السياسي إن ما تقدم به مرصد الفتاوى التابع لدار الإفتاء المصرية مؤخرا، والذي طالب بإعادة استنساخ المراجعات المصرية التي أجرتها الحكومة مع الجماعات الإسلامية بالسجون في التسعينات من القرن الماضي، لن يؤدي إلى أي نتائج، ولن ينجح.
الجمعة 2017/07/14
المراجعات القديمة لم تثمر نتائج كبيرة

أدت الهزائم المتتالية التي منيت بها الجماعات الإرهابية إلى بروز أفكار جديدة بشأن التعامل مع المتطرفين، سواء من تم القبض عليهم وتجري محاكمتهم حاليا، أو من عادوا إلى بلدانهم هربا من اشتداد الضربات العسكرية ضدهم في دول مختلفة.

ودعا مرصد دار الإفتاء المصري المجتمع الدولي إلى تبني استراتيجيات جديدة لإعادة تأهيل المتطرفين، تقوم على إقناعهم بالتخلي عن أفكارهم المتشددة في صورة جديدة للمراجعات التي حدثت مع تيار الجماعة الإسلامية في مصر في تسعينات القرن الماضي.

وطالب المرصد بتوفير الرعاية الاجتماعية والنفسية للعناصر المتطرفة عقب إطلاق سراحهم، فضلا عن ضرورة الاعتماد على استراتيجية توفير الدعم المادي الهادف إلى مساعدة المفرج عنهم من المتطرفين على التفاعل مع واقعهم المعيشي.

وأكد الكثير من السياسيين أن التجربة المصرية السابقة في التعامل مع التنظيمات الإسلامية فشلت في إقناع تلك العناصر بالتخلي عن أفكارها المتطرفة، وحينما سنحت لهم الفرصة للعودة إلى العنف والتحريض عليه لم يترددوا في ذلك، وكانت السنوات التي تلت ثورة 25 يناير 2011 كاشفة للتقييم الحقيقي لتلك المراجعات.

السجون في العديد من البلدان العربية تعد بمثابة معسكرات مغلقة ومفرخة لإعداد كافة أشكال التطرف

وظهرت مؤشرات سلبية في تجارب دول أخرى على رأسها المملكة العربية السعودية، فحسب دراسة سابقة أعدها مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، تبين أن نسبة العائدين لممارسة العمل المتطرف ممن التحقوا ببرامج سعودية لإعادة التأهيل لم تتجاوز 10 بالمئة، ثم بعد 2011 ارتفعت التقديرات قليلا حتى وصلت إلى 20 بالمئة.

كما أشارت الدراسة إلى أن المعتقلين الخليجيين السابقين في غوانتانامو، والذين شاركوا في البرنامج، عادوا إلى سابق أفكارهم بعد التحاقهم بالبرنامج، وكانت التقديرات بالنسبة إلى غير السعوديين أعلى من ذلك.

واستدعى الحديث عن المراجعات الفكرية تلك المراجعات التي تمت مع أعضاء الجماعة الإسلامية بالسجون في التسعينات من القرن الماضي، وما سمي بـ“بمبادرة وقف العنف”، وبدأت بمشروع “التائبون من العنف”، وهي فكرة لم يتقبلها الكثير من قواعد الجماعة، نظرا إلى ادعائهم بأن الشرطة كانت تجبرهم على ما يسمى بإقرارات التوبة كشرط للتعاون مع أجهزة الأمن، وأشاعوا هذه الشبهات وسط السجون.

كانت الحكومة المصرية طلبت من الجماعة الإسلامية أثناء الحوار معها إصدار كتاب يتضمن مراجعة للأفكار الأساسية التي بنت عليها الجماعة موقفها من العنف، وحتى منتصف 2001 كانت الجماعة ترفض هذا الأمر بسبب ضغوط الصف الثاني من القيادات والكوادر الأصغر سنا، واكتفت الجماعة بإصدار وثيقة تحرم قتل السائحين.

وعاد وصف البعض إلى تجربة تسعينات القرن الماضي المصرية بأنها ناجحة لهبوط مؤشرات العمليات الإرهابية في تلك الفترة، دون الوضع في الاعتبار أن غالبية العناصر والتنظيمات المتطرفة نظرت إلى تلك المراجعات كإجراء تكتيكي للخروج من ضغوطات الدولة المصرية عليها في تلك الفترة. عناصر محدودة فقط من أعضاء الجماعة هي التي اقتنعت بالمراجعات دون أن يكون لذلك تأثير على باقي العناصر، ما أدى إلى ارتفاع وتيرة أعمال عنف على مدار السنوات الثلاث الماضية.

لهذا أكد خبراء سياسيون أن استنساخ التجربة في الوقت الحالي تم دون دراسة خصائص التنظيمات الإرهابية الحالية التي تتسم بتنوع تفريعات خلاياها الصغيرة، بالتالي غياب القدوة أو القيادة التاريخية التي تستطيع التأثير في أفكارها في ظل عدم وجود هيكل تنظيمي محدد يمكن أن يحدث تأثيرا واضحا في العناصر التابعة له.

التحدي الأكبر يكمن في تواصل العناصر الإرهابية مع بعضها داخل السجون، وبدلا من أن يتم تأهيلها لتتخلى عن الأفكار المتطرفة تقوم بنشر أفكارها المتطرفة

وأشاروا إلى وجود انشقاقات عديدة داخل صفوف التنظيم الواحد وانتشار فكر التكفير بسبب الخلافات بين القيادات والأفراد التابعين لهم، وبالتالي فإن اللعب على وتر تأثر تلك التنظيمات بمبدأ السمع والطاعة لن يكون سهلا كما كان في الماضي.

والعائق الأكبر أمام تطبيق نظريات “فقه المراجعات” في الوقت الحالي هو أن لجوء التنظيمات الإرهابية إلى تلك الورقة لا يكون إلا عقب الإيمان الكامل بالهزيمة، والتسليم بانتهاء المعركة، وفي تلك الحالة تكون المراجعات أمرا مفروضا عليها، وتلجأ إليه كمحاولة أخيرة تحافظ بها على ما تبقى لها من قوات مُحاربة، وفق استراتيجيتها الأساسية والمتمثلة في الحفاظ على بقاء التنظيم.

وقال عبدالجليل الشرنوبي، القيادي الإخواني المنشق، لـ”العرب”، إن التعامل مع ملف المتطرفين يختلف من دولة إلى أخرى وفقا للمتغيرات العديدة لدى كل دولة، وأن مواجهة البلدان العربية لتلك العناصر يجب أن تختلف عن باقي البلدان الأوروبية التي سيكون عليها التعامل مع المقاتلين العائدين، ومن ثم فإن تعميم التجربة المصرية أمر لا يمكن تطبيقه.

وأضاف أن السجون في العديد من البلدان العربية، وتحديدا داخل مصر، تعد بمثابة معسكرات مغلقة ومفرخة لإعداد كافة أشكال التطرف، الأمر الذي يرجع إلى أسباب عدة، أهمها غياب تفاعل الدولة مع السجناء، إلى جانب الإعداد الجيد الذي تتلقاه العناصر الإرهابية لتحمل الأوضاع داخل السجون والتكيف عليها، وهو ما يفرض على الحكومات مراجعة ملف السجون أولا، على أن يكون ذلك وفقا لمشروع متكامل لمواجهة العنف والتطرف.

ورأى أن التحدي الأكبر يكمن في تواصل العناصر الإرهابية مع بعضها داخل السجون، وبدلا من أن يتم تأهيلها لتتخلى عن الأفكار المتطرفة تقوم بنشر أفكارها المتطرفة في محاولة لنشر سرطان التطرف داخل عقول المسجونين، وهو ما يتطلب أولا مواجهة تلك التحركات قبل أن تتم عملية التأهيل.

من هنا أثارت المقترحات التي قدمها مرصد الإفتاء المصري العديد من التساؤلات حول مدى تبني الدولة المصرية لتلك الرؤى، خصوصا أنها تأتي من إحدى المؤسسات الدينية الرسمية، كما أن التقارير التي يصدرها دائما ما تعبر عن وجهة نظر حكومية بشأن التعامل مع التنظيمات المتطرفة.

نسبة العائدين لممارسة العمل المتطرف ممن التحقوا ببرامج سعودية لإعادة التأهيل لم تتجاوز 10 بالمئة، ثم بعد 2011 ارتفعت التقديرات قليلا حتى وصلت إلى 20 بالمئة

لفت العديد من المراقبين إلى أن تلك التقارير تعد بيانات وظيفية تصدرها مجموعة من العاملين بدار الإفتاء، وبغض النظر عن مدى الاستعانة بها إلا أنها تعبر عن فشل في التعامل مع ملف التنظيمات المتطرفة والتي تستحيل مواجهتها بإجراءات وظيفية دون أن يكون هناك مشروع شامل تتضافر فيه جميع الجهود الأمنية والدينية والثقافية والإبداعية، على أن يتم تفعيل ذلك في كافة هياكل الدولة المختلفة.

على خلاف تلك الرؤية، أكد ماهر فرغلي الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية على أن هناك حوارات يتم تنظيمها بشكل أسبوعي بين عدد من قيادات الأزهر وشباب التنظيمات الإرهابية داخل السجون، وهو أمر يجري العمل به منذ عامين، ويكون ذلك من خلال ندوات جماعية ولقاءات مع الشباب الذين لديهم قابلية للاندماج داخل المجتمع.

وأضاف أن التوجه المصري الحالي يسعى إلى استغلال الحوار في كسب أكبر عدد ممكن من الفئات الشبابية تحديدا، وهو ما يختلف عن تجربة تسعينات القرن الماضي التي كانت تتم بشكل تنظيمي مع قيادات تلك الجماعات، بالتالي فإن الهدف الأساسي يتمثل في تحويل أفكار الشباب من حتمية حمل السلاح والمواجهة، إلى حتمية الإيمان بالدين دون أن يرتبط ذلك باستخدام العنف.

ورأت دوائر قريبة من الحكومة المصرية أنها نجحت في تحييد العديد من العناصر الإسلامية التي كانت في السجون أثناء فترة تسعينات القرن الماضي، وأن الهدف الآن هو الوصول إلى تلك النتيجة، لأن إنهاء عنف تلك الجماعات الراديكالية جذريا يعد أمرا مستحيلا.

13