"دعها تقع".. سياسة الفرجة على سقوط الصحافة التونسية

يتواصل التشنج بين الحكومة والإعلاميين الذين يحذرون من تصاعد أزمة الصحافة المكتوبة ويحملون الحكومة مسؤولية التدهور نتيجة وقوفها مكتوفة الأيدي دون أي إجراءات فعلية لإنقاذ القطاع.
الجمعة 2016/04/01
قتل الصحافة

تونس – يؤكد الصحافيون التونسيون أن الصحافة المكتوبة تقف على مشارف الاحتضار في ظل غياب أي مبادرة حكومية لإنعاشها على الرغم من أنها تمثل واجهة الحريات للتجربة الديمقراطية.

وحملت الهياكل المهنية المعنية بالصحافة المكتوبة، الحكومة مسؤولية صعوبات مادية خانقة باتت تهدد المؤسسات بالإفلاس على خلفية عدم اتخاذها أي مبادرة لإنقاذها من الاندثار.

وقالت كل من نقابة الصحافيين التونسيين وجمعية مديري الصحف والنقابة العامة للإعلام في بيان مشترك الأربعاء، إنها ستجتمع خلال الأيام القليلة القادمة لإعلان خطة تحرك نضالية دفاعا عن المهنة وحقوق العاملين فيها.

وشدد البيان المشترك على أن الأوضاع الصعبة التي يشهدها القطاع باتت تهدد الحريات الصحافية وحرية الرأي والتعبير التي تكاد تكون المكسب الوحيد الذي تحقق للتونسيين خلال السنوات الخمس الماضية.

وتجمع النقابات على أن الصحافة المكتوبة تواجه أزمة حادة هي الأولى من نوعها ما انفكت تتخذ نسقا تصاعديا باتجاه حالة من الاختناق إلى حد الغرق في صعوبات قد تقود إلى الإفلاس والتوقف عن النشر.

وأكدت أن هذا الوضع الحرج نتج عن عدة أسباب، منها تقليص الحكومة من عدد الاشتراكات والمماطلة في حسم ملفات المطالب بإنقاذ المؤسسات الصحافية من الإفلاس، وتطالب هذه الهياكل بتنظيم توزيع الإشهار (الإعلان) العمومي من خلال تركيز هيكل مستقل يضمن التوزيع العادل للإشهار بعيدا عن أي شكل من أشكال المحسوبية والفساد المالي. كما تطالب بإنشاء صندوق لدعم وتأهيل الصحافة المكتوبة يكون كفيلا بتوفير الضخ المالي اللازم لإنقاذ القطاع من الاحتضار.

وشددت على أن التعاقد الحر في مجال الإعلان العمومي زج بقطاع الصحافة المكتوبة في فوضى غير مسبوقة حيث حرم العديد من المؤسسات ولا سيما المشغلة منها لأكبر عدد من الصحافيين من موارد مالية ما أدى إلى توقف عدد من الصحف عن النشر.

بدورهم أكد الصحافيون أن صيحات الفزع التي ما انفكوا يطلقونها لم تلق أي تجاوب من الحكومة التي غضت الطرف عن مشاريع تم عرضها عليها. وقاد تجاهل الحكومة إلى تراجع عدد المنشورات وانحسار الإعلان العمومي وانخفاض اشتراكات المؤسسات العمومية. وقالوا إن الحكومة التي لم تتعاط بجدية مع أزمة الصحافة المكتوبة تنتهج سياسة “دعها تقع” على الرغم من أن المطالب ليست تعجيزية.

واتهمت النقابات المهنية، الحكومة بأنها تعمدت المماطلة في الكثير من الملفات وتنكرت لالتزامات بحلها كانت قد قطعتها على نفسها في عدة مناسبات بما يرشح المناخ الاجتماعي في القطاع إلى التأزم.

اشتعال غضب الهياكل المهنية بالدفاع عن حرية التعبير يعد مؤشرا على الانتفاضة ضد أي وصاية على الإعلام

وفي المقابل تؤكد السلطات باستمرار حرية وسائل الإعلام بصفة عامة في تعاطيها مع الأوضاع العامة للبلاد ونقدها للسياسات التي تنتجها الحكومة، غير أن النقابات تساورها مخاوف من مدى التزام السلطات باستقلالية القطاع مشددة على أن هناك توجها يرمي إلى خنق الحريات الصحافية.

ويقول سياسيون وإعلاميون إن التجربة الديمقراطية الناشئة والمتعثرة ليست في مأمن من أزمة قطاع الإعلام، مشددين على أن أزمة الصحافة المكتوبة بصفة خاصة وأزمة القطاع بصفة عامة ألقت بظلالها السلبية على مساحات حرية الرأي والتعبير.

وخلال الأسابيع الماضية ارتفع منسوب “التشنج” بين الحكومة والإعلاميين الذين يتهمونها بإعلان الحرب على الإعلام على خلفية قرار وزارة العدل بإجراء تتبعات قضائية لعدد من الصحافيين وفق قانون مكافحة الإرهاب بشأن نشر صور رأس طفل قطعه جهاديون.

ورد ظافر ناجي المستشار الإعلامي للحكومة بنفي “وجود أي نية للحكومة في استهداف حرية الإعلام” واعتبر أن “ما يتم ترويجه حول وجود حملة ممنهجة من الحكومة أصبح أمرا لا يطاق”، لافتا إلى أن “من له ثقة في القضاء يجب أن ينتظر ما ستقوله العدالة الكفيلة بإثبات إن كان الأمر يتعلق بخطأ مهني أم لا”.

ويقول عدد من الصحافيين إنهم يتلقون “تعليمات” في شكل “ضغوطات” تمس باستقلالية الخط التحريري للتلفزيون العمومي وهم يتوجسون من أي شكل من أشكال التضييق على هامش الحريات.

ويرى إعلاميون أن “اشتغال” غضب الهياكل المهنية بالدفاع عن حرية التعبير يعد مؤشرا على “نوع من الانتفاضة” ضد أي شكل من أشكال الوصاية على الإعلام في وقت تسعى فيه الحكومة إلى “إدارة” وسائل الإعلام العمومي بعيدا عن “تأجيج” اتجاهات الرأي العام في ظل أوضاع عامة تستوجب خطابا إعلاميا هادئا بعيدا عن “خطاب تأجيج” الرأي العام.

وتطالب النقابة العامة للإعلام الصيد بـ”إجراء إصلاحات حقيقية على القطاع بدل التصريحات الرامية إلى تدجينه”، وذلك ردا على اتهام الصيد الإعلام العمومي، بأنه “لا يقوم بدوره خلال المرحلة الانتقالية” التي تعيشها البلاد. واعتبرت أن تلك التصريحات تؤشر على أن الحكومة الحالية شأنها شأن الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ انتفاضة يناير 2011 “لا تعير أي اهتمام لقطاع الإعلام ولم تقم بأي إصلاحات في اتجاه الإصلاح”.

وترفض نقابة الصحافيين “تفرد رئاسة الحكومة” بإجراء تعيينات وإقالات المسؤولين على المؤسسات الإعلامية العمومية دون التنسيق مع الهياكل المهنية المعنية.

ومنذ أكتوبر 2015 تقود نقابة الصحافيين جهودا تقضي بتنبيه الرأي العام والمنظمات والأحزاب إلى ما تقول “الانقلاب الذي تقوم به الحكومة على حرية الصحافة”.

18