دعوات العصيان المدني تزعج السلطة في الجزائر

تتحرك الحكومة الجزائرية للتصدي لدعوات إلى العصيان المدني خلال الأسبوع الأول من العام القادم، انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وأقدمت على خطوات استباقية لتفكيك اللغم رغم عدم وضوح هويته وبقائه مجرد أصوات في العالم الافتراضي.
الخميس 2016/12/29
وضع لا يبشر بخير

الجزائر - تصدرت شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الأخيرة، دعوات إلى شن عصيان مدني في الأسبوع الأول من العام القادم، يتمثل في إضراب وطني شامل في مختلف القطاعات، وعدم الخروج إلا في حالات الضرورة القصوى، تفاديا لأي احتكاك مع قوات الأمن أو مساس بالأمن العام أو تخريب للممتلكات الخاصة والعمومية.

وذكر نشطاء بأن الدعوة إلى العصيان المدني، جاءت من أجل التعبير عن رفض الشارع الجزائري للسياسة الحكومية في مواجهة الأزمة الاقتصادية، واعتمادها على الحلول المؤلمة التي تمس بالقدرة الشرائية للجزائريين، وتثقل كاهلهم بالرسوم والأعباء للتغطية على عجز الموازنة والفشل في تسيير شؤون البلاد، لا سيما في ظل تمرير قانون الموازنة العامة دون مراعاة تداعياته الاجتماعية، وعدم التفاعل مع أصوات الشركاء الاجتماعيين.

وكانت الحكومة قد بررت، في وقت سابق، على لسان وزارة التربية قرار تلبية مطلب تلاميذ الثانويات بتمديد العطلة، بتفويت الفرصة على جهات تريد توظيف المدرسة في تفجير الوضع الاجتماعي، خاصة بعدما توصلت إلى ما أسمته “معلومات ومعطيات” تشير إلى تورط جهات من خارج الثانويات لتوظيف مسألة العطلة الفصلية في الدفع بالتلاميذ إلى الاحتجاج والشغب وتخريب الأملاك العمومية.

وشكل قرار تعاطي الحكومة الإيجابي مع انتفاضة تلاميذ الثانويات، صدمة لدى الشارع الجزائري، بالنظر إلى تشددها في مختلف المواقف الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، التي عبرت عنها احتجاجات النقابات المختلفة، خاصة المتعلقة برفض تكتل النقابات المستقلة لقانون التقاعد الجديد.

واعتبر مراقبون أن اضطرار الحكومة إلى الانحناء أمام أصوات التلاميذ، جاء في أعقاب بروز ملامح احتقان اجتماعي بعد تمرير قانون الموازنة العامة للعام القادم عبر غرفتي البرلمان، وإضرابات التجار في البعض من محافظات منطقة القبائل والتي عرفت تجاوبا كبيرا، وهو ما تريد الحكومة تلافيه بكل الوسائل، وفك الارتباط بينه وبين الفئات الاجتماعية الأخرى.

حملة إلكترونية من أجل تنفيذ إضراب وطني شامل خلال الفترة الممتدة بين الثاني والسابع من يناير القادم

وأضافت حملة العصيان المدني على شبكات التواصل الاجتماعي “في ظل فشل مسارات الاحتجاج السلمي والتعبير الديمقراطي عن رفض السياسات الحكومية، بسبب التوظيف المفرط للأمن في إجهاض وتعنيف المظاهرات وسهولة الاختراق لتحويلها عن أهدافها وأغراضها، لجأ الناشطون إلى الدعوة إلى عصيان مدني صامت، بتنفيذ إضراب وطني شامل والتزام الجميع بيته، وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى خلال الفترة الممتدة بين الثاني والسابع من يناير القادم”.

وركزت دعواتها على إضراب تجار الجملة والتجزئة، لدفع الحكومة إلى التراجع عن الزيادات المنتظرة في الأسعار، نظير رفع ضريبة القيمة المضافة بنقطتين بالنسبة إلى الضريبة العادية أو المخففة، وتعويم العملة المحلية أمام العملات الصعبة، ما ينعكس على المواد المستوردة، بما أن السوق الجزائرية تتمون في الغالب بالمنتجات المستوردة.

ونفى رئيس جمعية التجار والحرفيين طاهر بولنوار، في تصريح للصحافيين وجود أي دعوة إلى شن التجار والحرفيين لإضراب شامل في الأسبوع الأول من العام القادم، ووجه أصابع الاتهام لمن أسماهم بـ”البارونات واللوبيات” بالوقوف وراء الحملة على شبكات التواصل الاجتماعي، “من أجل ضرب استقرار البلاد، عبر إشاعة أخبار الذعر في الشارع، والدفع بالمستهلكين إلى تخزين المواد الاستهلاكية، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى الاحتكار ورفع الأسعار”.

وكان تجار في محافظتي تيزي وزو والبويرة بمنطقة القبائل، قد شنوا في الفترة الأخيرة إضرابا عن العمل، للاحتجاج على الارتفاع الفاحش لأسعار المواد الاستهلاكية وظهور بوادر الاحتكار وتذبذب التموين، ما وضعهم في مواجهة شبه مباشرة مع المستهلكين.

وطرح نفي جمعيات التجار والحرفيين لوجود أي نية للإضراب أو العصيان المدني، مقابل انتشار واسع للحملة، تساؤلات عن قدرة تلك الجمعيات على تعبئة منتسبيها، ومدى تمثيلها الحقيقي لهذه الفئة على أرض الواقع.

وفيما تتوجس الحكومة من أن تأخذ الحملة أبعادا تمس باستقرار البلاد، وتفتح عليها متاعب هي في غنى عنها في ظل الوضع المتوتر الذي تعيشه المنطقة، هوّن مراقبون من هول الحملة الافتراضية ومن فرص نجاحها في تجنيد الشارع الجزائري في تنفيذ عصيان مدني لمدة أسبوع، بسبب التجربة غير المسبوقة في البلاد، وعدم استعداد قطاع عريض من الشعب لخوض تجارب مماثلة أو مؤدية إلى تجربة العشرية الحمراء في حقبة التسعينات، وحتى اختفاء هوية النشطاء إلى حد الآن في العالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي.

وتشهد السوق الجزائرية غلاء فاحشا وفوضى في الأسعار، أسابيع قبل دخول قانون الموازنة الجديد حيز التنفيذ، حيث استغل المضاربون عجز الحكومة عن فرض آليات الرقابة والتحكم في السوق، لفرض زيادات عشوائية على مختلف المواد الاستهلاكية، واستنفدت آخر أنفاس القدرة الشرائية، الأمر الذي يخشى أن يتحول إلى انفجار اجتماعي غير متوقع.

4