دعوات بوتفليقة تصدح خارج واقع الصحافة الجزائرية

الجمعة 2014/10/24
صحفيون اختاروا الاحتفال بعيدهم الوطني في ساحة حرية الصحافة للتأكيد على حقهم في صحافة حرة

الجزائر – احتفل الصحفيون في الجزائر باليوم الوطني للصحافة، وأثارت الرسالة التي وجهها الرئيس بوتفليقة للصحفيين انتقادات واسعة لأنها لا تشكل انسجاما بين مضمون الرسالة وواقع الإعلام في البلاد.

دعا الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الإعلاميين الجزائريين، إلى “استكمال البناء القانوني للمنظومة الإعلامية والإسهام في ترقية المهنة والدفاع عن مكاسب الإعلاميين”، في الوقت الذي يبحث فيه الصحفيون في الجزائر على توسيع هامش الحرية المتاحة في البلاد، التي باتت مهددة بشكل كبير في ظل الواقع السياسي الراهن.

وجاءت دعوة بوتفليقة بمناسبة اليوم الوطني للصحافة في الجزائر الذي يصادف 22 من كل شهر أكتوبر، وهو تاريخ صدور أول صحيفة بالجزائر خلال الاحتلال الفرنسي، تحت اسم “المقاومة”، واحتفلت به الجزائر، لأول مرة العام الماضي، بعد أن أقره بوتفليقة بمرسوم رئاسي.

واختار بعض الصحفيين الاحتفال بالمناسبة بعيدا عن السلطة، عبر التوجه إلى ساحة حرية الصحافة وسط الجزائر، لوضع باقة من الورود على النصب المخلد لشهداء المهنة، إلا أن الأمن الجزائري حاصرهم، ولم يسمح لهم بتلك الوقفة إلا بعد مفاوضات استمرت أكثر من ساعة، قبل أن يطلب منهم المغادرة بعد عشر دقائق فقط، بحسب وسائل إعلام محلية !.

وأكد الصحفيون الذين حضروا أن الأمن كان يخشى أن يقرا الصحفيون لائحة مطالبهم، والتي فيها مطالب تفضح حقيقة وضع الإعلام في الجزائر.

هذا في الوقت الذي تضمنت فيه رسالة بوتفليقة قوله، “لقد حرصت، منذ صدور القانون المتعلق بالإعلام على أن يكون هذا البناء شاملا لكل النشاطات المرتبطة به، بما يكفل للصحفيين والإعلاميين وكافة المتدخلين، أداء مهامهم في انسجام مع المهام المنوطة بهم، بعيدا عن أي مزايدة أو خرق للقانون أو مساس وتشويه للأهداف المتوخاة من هذه المهنة، بما يتنافى وقواعد أخلاقياتها وآدابها”.

السلطة تلجأ إلى وسائل الإعلام الأجنبية عندما تريد تمرير رسائلها

لكن قطاعا واسعا من الإعلاميين الجزائريين، وحتى الحقوقيين، لا يرون انسجاما بين مضمون رسالة الرئيس وواقع الإعلام في البلاد. رغم أن القانون الجديد للصحافة الصادر يونيو العام 2013، أسقط عقوبة الحبس على الصحفي. كما يخيم الطابع الرسمي على الاحتفال باليوم الوطني للصحافة، في وقت اعتاد الصحفيون الجزائريون على الاحتفال بـ“اليوم العالمي لحرية التعبير”، المصادف للثالث من مايو، من كل عام.

ويمضي الرئيس بوتفليقة في عهدته الرابعة مثلما فعل طيلة ثلاث عهدات سابقة، في مخاطبة الصحافة عبر رسائل بروتوكولية وأخرى يذكر فيها الصحافة عندما تقتضي الأحداث مجاملا إياها تارة أو مهاجما لها تارة أخرى، لكنه احتفظ بحدود فاصلة ومسافة ليست بالقريبة مع صحافة بلاده.

وهذا التعاطي للرئيس بوتفليقة مع الصحافة ليس سابقة، فالذين اعتلوا قبله كرسي الرئاسة، لم يحرصوا أيضا على التواصل مع أبناء الصحافة والإعلام الجزائري، بينما كان جل اهتمامهم ينصب على الإعلام الخارجي عندما يكونون في حاجة إلى تسويق صورتهم أو إنجازاتهم أو الحديث عن مواقف بلادهم! وفي كل مرة كانت السلطة تريد أن تمرر رسائل تلجأ إلى وسائل الإعلام الأجنبية، وظل ممثلون لها يحظون بالسبق من قبل رؤساء الجزائر وحتى المقابلات الحصرية، وعلى سبيل المثال الحوارات التي أجراها “بول بالطا” و“دانيال جانكا” وهما مراسلان دائمان سابقان لصحيفة (لوموند) الفرنسية أو “جون دانيال” مراسل صحيفة (نوفيل أوبسرفاتور) أو “بيار ألكباش” عن التلفزيون الفرنسي، أو “لطفي الخولي” من (الطليعة) أو (الأهرام) مع الرئيس الأسبق هواري بومدين والشاذلي بن جديد وعبدالعزيز بوتفليقة.

وانتقد تنظيم “مبادرة الصحفي” بالجزائر، ما أسماه في تقرير له ما وصفه بـ”تخلي الوزارة المعنية بالقطاع عن مسؤوليتها القانونية في حماية الحقوق الاجتماعية والمهنية للصحفيين، وبوجه خاص الصحفيين العاملين في الصحافة الخاصة، والمقدر عددهم بنحو 2500 صحفي موزعين على نحو 100 وسيلة إعلامية، وعلى كاهلهم تقع ما نسبته 90 بالمئة من مهام إعلام المواطن ونقل انشغالاته وتقوية علاقته بالدولة ومؤسساتها”.

وعلقت جريدة “الخبر” الجزائرية، على رسالة الرئيس بوتفليقة وقالت في افتتاحيتها، أول أمس إن “الرهانات الحقيقية للصحافة خارج اهتمامات السلطة”، وأن “رسالة الرئيس اكتفت بالإشارة إلى أمور سطحية”. وذكر إعلاميون ومراقبون أن رسالة الرئيس بوتفليقة ابتعدت عن مشاكل وتحديات الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية التي تعاني من سيطرة الحكومة واستخدام وسائل ضغط للسيطرة على المحتوى الإعلامي وتوجيهه سياسيا.

بدورها استنكرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، وضعية الصحافة الجزائرية في يومها الوطني، مؤكدة تراجع حريات الصحافة إلى “كثرة القيود التي تكبل المهنة من طرف السلطة وإن تعددت الطرق والأساليب الملتوية، على رأسها الرقابة المصطنعة”، مستدلة بآخر تصنيف لمنظمة “مراسلون بلا حدود” لحرية الصحافة في العالم لسنة 2014، حيث احتلت الجزائر المرتبة 121 في مجال حرية الصحافة، والمرتبة الـ28 أفريقيا، والخامسة عربيا.

18