دعوات حزينة بزينة باهتة في احتفالات العرب بعيد الميلاد

الجمعة 2014/12/26
"بابا نويل" يوزع هداياه على أطفال حي الشجاعية شرق غزة بين الدمار

عواصم- رغم نصب الأشجار الخضراء المضيئة وتزيين الشوارع بالألوان المبهجة لم تكن احتفالات عيد الميلاد هذه السنة، من بيت لحم إلى بغداد مرورا بلبنان، كسائر السنوات الماضية، حيث كانت الأجواء حزينة ومؤلمة وسط صلوات ودعوات لتخطي الأزمات.

بدأ البابا فرنسيس مساء الأربعاء في بازيليك القديس بطرس في روما رتبة القداس الاحتفالي بمناسبة عيد الميلاد في وقت يحتفل فيه المسيحيون في الشرق الأوسط من بيت لحم إلى بغداد بالعيد وسط أعمال العنف.

وبعد أن دخل إلى البازيليك يتقدمه الكرادلة على تراتيل الميلاد، رفع البابا فرنسيس (78 عاما) وشاحا يغطي تمثالا يمثل الطفل يسوع ويحمله طفلان، سوري ولبناني، وباركه بالبخور.

وفي الوقت نفسه، قرعت أجراس بيت لحم (جنوب الضفة الغربية) قبيل بدء بطريرك اللاتين في القدس فؤاد طوال وأعلى سلطة كاثوليكية في الأرض المقدسة، رتبة القداس الاحتفالي الميلادي في كنيسة القديسة كاترين الكاثوليكية المجاورة لكنيسة المهد.

ولم تشهد المدينة الكثير من الحجاج الأجانب بسبب التوترات التي تشهدها منذ أشهر. وقد طغى العنف في الشرق الأوسط على جو الاحتفالات.

ورافق كشافة فلسطينيون يقرعون الطبول ويعزفون على القرب موكب البطريرك طوال حتى كنيسة المهد التي ولد فيها المسيح والتي وضعت في ساحتها شجرة ضخمة مزينة بالأضواء الحمراء والسوداء والفضية، بينما وقف رجل يرتدي لباس بابا نويل لتوزيع الحلوى.

كما قدمت فتيات فلسطينيات عرضا للأزياء احتفاء بالثوب الفلسطيني التقليدي وسط ساحة الكنيسة.
عرض أزياء خاص بالثوب الفلسطيني التقليدي وسط ساحة كنيسة المهد

وأدى التوتر هذا العام إلى هروب السياح الأجانب الذين كان عددهم قليلا في شوارع مدينة بيت لحم التي زينت بمناسبة الميلاد. وبدأت مجموعات قليلة من السياح بالتدفق إلى ساحة المهد.

أما في لبنان فلم تختلف أحوال اللبنانيين هذا العام، مع حلول الأعياد، عما كانت عليه في الأعوام الأخيرة، فـالأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية مازالت تضغط على المجتمع وتؤثر سلبا على الحركة اليومية للمواطنين.

ولم تشهد الأسواق اللبنانية حركية كبيرة كما عادتها في هذه المناسبة، حيث فضل أغلب اللبنانيين تجنب الخروج والتسوق. أما الاحتفالات، ففضل اللبنانيون أن تكون “على نطاق ضيق” مع العائلة فقط، خلافا لـ”أيام الرخاء والأمان” التي باتوا يفتقدونها.

وفي الكنيسة الإنجيلية الوطنية وسط بيروت أقيم حفل لترانيم عيد الميلاد قدمه عدد من الأطفال أنشدوا ترانيم باللغات الفرنسية والإنكليزية والعربية والأسبانية.

كما أقيمت بإحدى ساحات مدينة جبيل التاريخية شجرة عيد ميلاد فريدة من نوعها، حيث توافد الزائرون من مختلف أنحاء لبنان لمشاهدتها. وفي روما ترأس البابا فرنسيس قداس منتصف الليل في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان.

وكان البابا فرنسيس أعرب الثلاثاء عن قلقه البالغ على وضع المسيحيين في الشرق الأوسط في رسالة وجهها إليهم داعيا إلى الحوار مع الأديان الأخرى على الرغم من الصعوبات.

أجواء احتفالية زينت شوارع المدن المصرية بمناسبة عيد الميلاد

وأكد البابا موقفه قائلا إن “الوضع المأساوي الذي يعيشه أخوتنا المسيحيون في العراق بالإضافة إلى الإيزيديين والمنتمين إلى الجماعات العرقية والدينية الأخرى، يتطلب اتخاذ موقف واضح وشجاع من قبل جميع المسؤولين الدينيين كي يشجبوا – بالإجماع وبشكل لا لُبس فيه – جرائم من هذا النوع وينددوا بالتذرع بالدين لتبريرها”.

وتأتي هذه المناسبة أيضا في ظروف صعبة خاصة لنحو 150 ألف مسيحي عراقي اضطروا إلى النزوح من منازلهم بعد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية الذي استهدف المسيحيين والأقليات الأخرى. في وقت سابق أعلن مسؤولون كنسيون مسيحيون في العراق، أن إحياء عيد الميلاد هذه السنة سيقتصر على إقامة الصلوات والقداديس في الكنائس، نظرا للظروف الصعبة التي يعيشها المسيحيون والعراقيون بشكل عام.

وقال رئيس أساقفة كركوك والسليمانية للكلدان المطران يوسف توما: “سنكتفي بالصلاة والدعاء. لا يمكن أن نفرح والناس تحت الخيام”.

فيما تجمع أبناء الطائفة المسيحية في بغداد ليل الأربعاء لأداء الصلاة عشية عيد الميلاد وسط مشاعر من التحدي. وتوافد المسيحيون على كنيسة القلب المقدس في بغداد فيما استعاد الناس ذكريات أسوأ عام يمر بهم.

وأحاطت المتاريس بالكنيسة فيما وقف سبعة من رجال الشرطة خارجها في مؤشر على خشية الحكومة من هجوم على أبناء الطوائف الدينية من جانب جهاديين. وردد المصلون التراتيل فيما انتشرت رائحة البخور داخل الكنيسة.

وأشاد المصلون بآلاف المسيحيين الذين نزحوا في شمال العراق الصيف الماضي عندما استولى مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل كبرى مدن شمال العراق، في يونيو الماضي وانطلقوا في أغسطس نحو منطقة كردستان العراقية مكتسحين بلدات مسيحية في سهول نينوى.

وخلت مدينة الموصل التي تضم نحو ثلاثين كنيسة يعود تاريخ بعضها إلى 1500 عام، من سكانها المسيحيين الذين يقدر عددهم بنحو 25 ألفا، بعدما خيرهم التنظيم المتطرف بين إشهار إسلامهم أو دفع الجزية أو القتل.

المسيحيون العراقيون والسوريون واللبنانيون في كنيسة سانت جورج في بيروت

وقال فادي رفعت (27 عاما) وهو مساعد القس “نعيش في بؤس، ومع ذلك مازلنا نتبادل التمنيات الطيبة والتهاني بعيد الميلاد والعام الجديد. نحن نحتفل بسعادة عيد الميلاد لكننا نحمل في أعماقنا حزن العراق”.

لكن المفارقة كانت هذه السنة في مصر، حيث شهدت احتفالات الأقباط بأعياد الميلاد إقبالاً كبيرًا من قبل المسلمين وباتت تمثل قاسما مشتركا في أحد تجليات الوحدة بين المصريين، فكثيرون شرعوا في شراء الهدايا وبطاقات المعايدة وكذلك تقليد الشخصية الأسطورية “بابا نويل” وشراء الأنوار والزينة لتزيين أشجار الكريسماس.

وارتدت شوارع القاهرة حلة زاهية في هذه المناسبة وتحولت إلى كرنفال يعكس التعايش بين المواطنين في جميع المحافظات المصرية، فالمسلمون يضيئون شجرة عيد الميلاد بالقرب من منازلهم ومحلاتهم، تأكيدا للتضامن والمؤازرة، ولا يخلو مكان من الإعلانات عن احتفالات للكريسماس، والمحلات تبدع في أشكال الزينة لتجذب أكبر عدد من المشترين.

وقال وليم شنودة، وهو تاجر في درب البرابرة بالموسكي في قلب القاهرة، لـ “العرب”: هذا العام المسلمون اشتروا زينة أكثر من المسيحيين أنفسهم. والإقبال على شراء “بنت القنصل” وشجرة الكريسماس كبير، ويفوق أعداد العام الماضي، معللا ذلك برغبة الناس في الشعور بالسعادة، بعيدا عن أخبار العالم والسياسة، مشيرا إلى أنه يقيم في حي المطرية المعروف بوجود عدد كبير من المنتمين للإخوان والسلفيين، ومع ذلك تنتشر مظاهر الكريسماس بصورة لافتة في الشوارع.

20