دعوات في المغرب لضرورة تغيير السياسة الجنائية

الجرائم التي يسعى المشرع المغربي إلى إزالة لبوس التجريم عنها تهم أساسا الإجهاض والتشرد والإفطار العلني في رمضان والتسول والفساد الأخلاقي.
الخميس 2021/04/15
تجارب تخضع للتقييم ودعوات للمزيد من الإصلاح

الرباط – مع اقتراب نهاية العمل بالخطة الوطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان في المغرب والتي حُددت آجالها بنهاية العام الحالي تتكثف التحركات سواء من قبل السلطات أو من قبل مكونات المجتمع المدني من أجل تقييم هذه التجربة.

ونظم مركز الدراسات والأبحاث “مدى” لقاء دراسيا بالشراكة مع مؤسسة المجتمع المنفتح بأحد بالدار البيضاء لبحث سياسة التشريع الجنائي في المغرب وتوجهاته للحد من التجريم والمعاقبة وخطة العمل الوطنية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وشهد اللقاء مشاركة أطراف وطنية فاعلة في مجال المحاماة والقضاء والنيابة العامة، حيث توافق هؤلاء على ضرورة تغيير السياسة الجنائية بما يجعلها تتلاءم مع مقتضيات ومقررات النصوص الكونية، وتستحضر البعد الإنساني في الجنح والجنايات؛ أي إلى مبدأ الإنصاف والتأهيل، بدل اللجوء إلى العقاب والانتقام.

وأشاد العديد من المختصين، الذين شاركوا في هذا اللقاء الذي يأتي في سياق السعي الحثيث لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية للمساهمة في النقاشات المطروحة في المجال العام المغربي، بما حققه المغرب في مجال حقوق الإنسان ومساعيه للحد من الزجر والتجريم.

وشدد الأستاذ بجامعة محمد الخامس المختار اعمارة على أن ”المغرب بذل مجهودات كبيرة لربط السياسة الجنائية بمنظومة حقوق الإنسان”، مشيرا في هذا الصدد إلى “الأوراق والوثائق الصادرة عن مؤسسة النيابة العامة”.

المختار اعمارة: المغرب بذل مجهودات كبيرة لربط السياسة الجنائية بحقوق الإنسان

وأكد اعمارة أن المغرب كان منفتحا على التجارب الأخرى في هذا السياق، مذكرا بمختلف المراحل التي قطعتها السياسة الجنائية المغربية منذ الستينات إلى اليوم موضحا أن “وجود المغرب اليوم في محفل دولي يحتفي بثقافة حقوق الإنسان يجعله مهتما بإدخال ديناميتها ضمن سياسته العامة عموما”.

وفي تطرقه إلى المشاكل التي يعرفها التشريع الجنائي اعتبر اعمارة أن مشكلته الرئيسية “تكمن أساسا في تنزيل مخرجاته، خاصة أن البلاد ملزمة بضرورة تنفيذ التزاماتها بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية وتعهداتها بمكافحة أشكال العنف ضد النساء والأطفال وحماية سلامة المتمدرسين”.

وأوضح “تطبيق القوانين الجنائية السابقة انتهى إلى عكس ما كان متوخى منها؛ أي الحد من الجريمة، السجون والجزاءات العقابية باتت تفرخ مجرمين مثلا، ولا تساهم في إعادة تأهيل الجناة”.

وأجمع الحاضرون في هذا اللقاء على أن وزارة العدل المغربية أنفقت ميزانية كبيرة من أجل إقامة حوار وطني حول منظومة العدالة، مشيرين إلى أن ذلك الحوار خرج بـ”توصيات مهمة”، غير أن ذلك لم يكن له أي انعكاس على الواقع التشريعي المغربي.

وأوضح أحمد بوز أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الجرائم التي يسعى المشرع المغربي إلى إزالة لبوس التجريم عنها تهم أساسا الإجهاض والتشرد والإفطار العلني في رمضان والتسول والفساد الأخلاقي.

كما أورد مختلف المبررات التي يستند إليها دعاة رفع التجريم، ملخصا إياها في “ضرورة تلاؤم القانون المغربي مع التوجهات الدولية، وتكييف التشريع الجنائي مع دستور 2011، وتحقيق الانسجام مع فلسفة الميدان الجنائي الراهن، وإيجاد حل لمشكلة الاكتظاظ في السجون، واستحضار الظروف الخاصة التي تطرحها بعض الجنايات مثل الإجهاض، وتجاوز التعارض بين التجريم والحقوق والحريات (خاصة حرية المعتقد)”.

ومن جهة أخرى، تناول اللقاء مسألة خطة العمل الوطنية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان حيث قام المشاركون بتقييم لما أُنجز من هذه الخطة التي تقترب نهاية العمل بها المحددة بنهاية العام الحالي.

ووجه العديد من الحاضرين انتقادات لما حققته هذه الخطة، حيث أكد بوز أن خطة العمل الوطنية في نسختها الراهنة ولدت ببعض الحدود، خاصة أنها جاءت في سياق سياسي اتسم بزجر عام في مجال الحقوق، موضحا أنها أفرغت من إلزاميتها عندما تم اعتمادها كوثيقة من طرف الحكومة دون نشرها في الجريدة الرسمية، ما جعلها في هذا الصدد التزامات أخلاقية أكثر منها رسمية.

واعتبر أن الخطة توصي بخلق آلية لتتبع تنزيلها وهو الأمر الذي لم يتم إلى حدود اليوم، بعد أن شارفت المدة المحددة لاعتمادها على الانتهاء، مشيرا إلى أنه يغلب عليها “طابع التمني”.

واستنتج بوز أنه “بالرغم من الأهمية القصوى والحاجة إلى وضع خطة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، في ظل واقع يهيمن عليه التخطيط الاستراتيجي في كل السياسات العمومية، إلا أن الطريقة والآليات المعتمدة تتطلب مراجعة، ولا بد من وضع أهداف وإجراءات وتدابير جديدة مع ضرورة تحيينها بشكل مستمر”.

4