دعوا الناس لخالقهم

الخميس 2014/03/20

يبدو وكأنّ اعتقال الأشخاص بتُهمة “الإسَاءة للذّات الإلهيّة” أو “ازدراء الأديان” أو ما شابه، سيستمرّ في مصر حتى إشعار آخر، وكأنّ الحال لم يتغيّر، وكأنّ تكفير الناس أمسى عقيدة راسخة في دواليب الدّولة ومؤسسات المجتمع، وأخشى ما نخشاه أن نسقط في عصر محاكم التّفتيش مجدّداً وبصرف النّظر عن من يحكم باسم من؟ وهذا مهول في كل الأحوال.

قبل أيام أيّدت إحدى محاكم مصر الحكم بسجن الكاتب المصري كرم صابر إبراهيم، عضو اتحاد الكتاب، خمس سنوات، بتهمة “ازدراء الأديان”. والمصدر؟ روايته “أين الله”. وفعلا، قد يبدو العنوان مثيرا بعض الشّيء، لكن، لنفتح الرواية أوّلاً، ولنحاول القراءة ثانيا، ولنتريّث في إصدار الأحكام ثالثا. يقول في مقدمتها مناجيا الذّات الإلهية : “أيّها الربّ المقامر على أفئدة الملايين المؤمنة بجبروتك ورحمتك.. ساعدنا وانتشلنا من براثن التفكّك والانهيار. أيّها الربّ تنتظرك أحزان النساء لتبتهج المتبقي من العمر.. أين أنت؟ … أيّها الربّ العالي في ملكوته، وقد أغضبك جهلنا وقلّة حيلتنا، فعزلت نفسك كارها عبادك الفاسدين، عُد إلينا لتملأ حياتنا بمشاعر الطمأنينة والأحاسيس المرهفة… أيّها الربّ أنت الأمل.. عد إلينا”.

والسؤال الآن، أين الازدراء في مثل هذه المناجاة الوجودية العميقة؟! أين الازدراء في الرواية كلها؟ ثم، ألم يناج المسيح المصلوب ربّه صارخا “لم تركتني؟! ألم يناج النبيّ محمد عليه الصلاة والسلام ربّه قائلا “لمن تكلني ؟! ألم يعاتب داوود ربّه سائلا “لماذا تقف بعيدا يا الله؟! أفلا تبدو هذه المناجاة وبنفس المنطق التكفيري بمثابة “مساس″ بالذات الإلهية و”ازدراء” للأديان قام به الأنبياء قبل غيرهم !؟

يا حرّاس المعبد من باب التّرامي على الملك العمومي، ألا تدركون أنّ للمناجاة الإلهيّة منطقا وجدانيا خاصا لا يدركه إلا الرّاسخون في الإيمان الفطري، حيث لا إكراه في الدين، وحيث القلق شرط الصدق، وحيث الحيرة شرط الإيمان؟ أليس يقال إنّ بعض المذاهب الكلامية كانت تنسب للرّسول الأمين دعاء يقول فيه “اللهم زدني حيرة فيك؟”.

يا من تبحثون عن تربيع الدّائرة وتدوير المربّع، دعوا الناس لخالقهم، ولا تنشغلوا وتشغلوا الشعوب بإعلان الحرب على طواحين الهواء.

24