دعوا ليبيا تستيقظ لتسير

الخميس 2014/06/26

منذ أن انتفض الشعب الليبي وأطاح بنظام الظلم والطغيان، لم أنفكّ أتابع بحرص وعناية مجرى الأحداث في ذلك البلد الذبيح، فأحار ولا أجد لما أشاهده وأسمعه منطقا ولا مفهوما، يتماشى وينطبق على ليبيا الضّحية. لأني عرفت البلاد وأهلها، وعاشرت الكثيرين من أبنائها، قبل نصف قرن ويزيد، فأراني أقارن مجبرا، بين ما عرفت وبين ما يجري وأشاهده حاليا، فوق تلك الأرض المعروفة بالجهاد والصّمود، بالاتحاد والتآزر أمام الصّعاب، رغم بعد المسافات وصعوبة الاتصال والتلاحم.

إنّ ما يزيد في بلبلتي وعجزي عن الفهم، هو أنّني أجد بين المتصدّرين، الحاكمين، المسيّرين، العابثين ويا للأسف، أجد بينهم أسماء وألقابا عرفتها، وعاشرت وخبرت أصحابها وحامليها وهم من لهاميم الرّجال، فعرفت فيهم وفي الكثيرين، سموّ الأخلاق، والوطنيّة الصّادقة، والحكمة أمام المستعصيات من الأمور. فهؤلاء الحاملون لنفس الأسماء والألقاب، هم بكلّ تأكيد، أبناء أو حتّى أحفاد الذين تشرّفت بمعرفتهم، لكنّي سأمتنع عن ذكر الأسماء والألقاب احتراما للسّلف، وتجنّبا لكلّ حرج للخلف الذين يتصرّفون، أقولها بكلّ صراحة وأسف، فيأتون ما يُخجل آباءَهم وأجدادهم ولا يشرّفهم.

لذا تمنّيت، وما أكثر تمنياتي وأغزر أحلامي، لو صعدت فوق منصّة أشرف منها على ليبيا كلّها، من “فزَّانها” إلى “طرابلسها”، من “برْقَتها” إلى “جبلها الغربي”، من “كفرتها” إلى “درنتها”، ومن “غاتها” إلى “زوارتها”، فأصيح في أهلها وساكنيها: دعوا ليبيا تستيقظ وتسير، إن كنتم حقا مؤمنين. كونوا كما كان آباؤكم وأجدادكم إن كنتم حقّا إليهم تنتسبون. أخلصوا لوطنكم كما أخلصوا، واعملوا لرقيّه ووحدته كما عملوا.

إن جهلتم ذلك فاستمعوا إلى الذين تكلّموا بلسانهم مثل المجاهد والشاعر البطل سوف المحمودي الذي قال:

استاحشت حرب الكافر* وفزع بعد الكشف جي متظافر

كسر جيش جانا من بعيد امسافر* شهي برنا من مصر لا لزواره

كْلِي كفْ بعد الكفْ زدته دافر* ويشعف عللّي شاوره واشتاره

هيهات برّ طرابلس وسكونه * ولا يملكه الكافر يلوج أوكاره

كانش سحقنا بالثقيل فنونة * والاّ حيّ المسلمين توارا

استمعوا إلى صوت شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي الذي كأنّي به يخاطبكم إذ يقول:

ظلم العدوّ وجوره * بلغ النهاية في اشتداده *

قد ضرّ لكن لم يكن * بأضرّ من عدم اتحاده *

من ذا الذي يدعو إلى * تقسيم جزء وانفراده؟

تمزيق برقة عن طرا * بلس خروج من سداده

ما تلك غير خيانة * تأتي على باقي عتاده

ومن الذي يرضى بحك *م غير حرّ في بلاده؟

وطن إذا لم يستقل * بغير شرط من قياده

ويعش عزيزا هانئا * بجماع رأي من سواده

لسنا حماة عرينه * كلاّ ولا آساد واده

فاحكم على المنشق عن * رأي الجماعة بارتداده

أمّا أحمد الشارف فيعبّر عن مشاعر آبائكم وأجدادكم الذين تركوا لكم وطنا ودولة لتسعدوا فيها، لا لتمزّقوها إرضاء للحاسدين فيقول:

رضينا بحتف النفوس رضينا * ولن نرضى أن يعرف الضّيم فينا

ولا نرضى بالعيش إلاّ عزيزا * ولا نتقي الشرّ بل يتقينا

حاسبوا أنفسكم إن كنتم لهؤلاء منتسبين، وقارنوا بين ما قدّموا وما أنتم مقدّمون، فسترون أنكم عنهم بعيدون، ولم ترثوا من خصالهم ما تعتزّون به وتفتخرون. أمنكم من يجرؤ على الإدعاء بأنّه من سلالة عمر المختار وأبطاله، أو خليفة عسكر ومجاهديه، أو سيف النّصر وأنصاره، أو الباروني، أو السويحلي، أو غيرهم من الذين تركوا بصماتهم في تاريخ ليبيا والمغرب العربي وحتى ما وراء ذلك.

فلماذا أنتم عن سواء السبيل تبتعدون؟ ولماذا تستجيبون لما يريده الآخرون؟ أين الفخر وأين العزّة وأين الشّهامة وأين الإخلاص وأين التفاني وأين الإيمان الحقّ اليقين؟ أين كلّ ما عرف عن أسلافكم آباء وأجدادا؟ ألم تقرؤوا تاريخ بلادكم القديم والحديث؟ صفحات ذهبيّة كتبت بدماء أبطالها من السلّوم إلى الجبل الغربي، ومن ساحل البحر الأبيض إلى أعماق الصّحراء، حيث تجدون إلى يوم الناس هذا آثارا تنبئكم بما قدّم أسلافكم للدّين والوطن وخير النّاس أجمعين.

إنّ المثل العربي يقول: هذا الشبل من ذاك الأسد، والمثل الشعبي يقول: كَسْكِس له يرجع لأصله. هذا ما كنّا نظن، لكن خاب ظنّنا ويا للأسف، لأنكم أعطيتم البرهان على أنّكم خرّيجو ثقافة المسخ والفسخ والطّمس، ثقافة أربعة عقود من النّهب والسّلب، والرّشوة والمحسوبيّة، فتريدون استمراريّتها بما فيها من ظلم وحيف.

لكن كما قال الشّاعر: علمت شيئا وغابت عنك أشياء، وهي أنّ الشعب الليبي ليس أنتم، فلا أنتم منه ولا هو منكم في شيء، لأنّه لم يقض على نظام جائر ليفسح المجال لآخر مثله، بل هو انتفض وثار ليحصل على الحرية والمساواة والعدل والأمن والاستقرار ولتعلموا، إن كنتم لا تعلمون، أنّ الشعوب إذا غضبت فهي كالسّيل العرمرم يحمل كلّ ما اعترض طريقه.

خاطبتكم بكلّ صراحة وصدق ولم يبق لي إلا أن أقول لكم: “يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين”. صدق الله العظيم.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8