دعوة إلى الصلح وطي الصفحة من مسلمي أفريقيا الوسطى إلى مسيحييها

الخميس 2014/07/17
مسلمو أفريقيا الوسطى يصلون من أجل المصالحة ويأملون في أن يعم السلام بلادهم

بانغي - المآسي التي شهدتها أفريقيا الوسطى جراء الاقتتال الدموي الذي مازال يخيم بظلاله على البلاد إلى حدّ هذه الفترة، جعلت من قتامة الصورة عنوانا لمستقبل تلك المنطقة من العالم في عيون الكثيرين، غير أن أبناءها الذين صنعوا الحرب بالأمس هم الأقدر اليوم أكثر من أيّ شخص آخر على صياغة السلام وإتمام المصالحة حتى يسود التحابب والتسامح ويعود الأمل وتُطوى الصفحة.

في هذا الإطار، وعندما تعترض المرء عبارة “لنطوي الصفحة”، في سياق مشتعل كالذي تشهده أفريقيا الوسطى منذ العام 2012، عليه أن يؤمن إذا بعدم وجود معجزات أمام جلالة التسامح والصفح.

"لنطوي الصفحة"، هي جمعية تأسّست بمبادرة من مسلمي حي الكيلومتر 5 في العاصمة بانغي، ورأت النور على وجه التحديد في الدائرة الثالثة. ولادة جديدة تطمح إلى أن تخلق الظروف الملائمة لعودة السكان المسيحيين الذين يعيشون في أحياء المسلمين إلى منازلهم، في خطوة قد تفسح المجال لولادة من نوع آخر، تشمل عودة التعايش السلمي بين مختلف الطوائف في أفريقيا الوسطى.

فمع استفحال أحداث العنف الطائفي في أحياء المسلمين ببانغي، كان من الطبيعي أن تطال السكان المسيحيين المقيمين فيها على وجه الخصوص، فكان أن اضطرّ هؤلاء إلى ترك منازلهم بحثا عن ملاجئ أكثر أمنا.

وبمغادرتهم، أضحت ممتلكاتهم فريسة سهلة للصوص، ممّن شنّوا حملات منتظمة على منازل المسيحيين، وأثاروا الرعب والهلع في النفوس، وهو ما ساهم في تشويه صورة المسلمين في نظر المسيحيين.

المسيحيون غلب عليهم الرضى أمام نبل هذه المبادرة التي أعلت قيم التحابب على النزاعات

مدير جمعية “لنطوي الصفحة”، موسى باردي قال من جهته: "ما دفعنا إلى تأسيس هذه الجمعية، هو رغبتنا في تشجيع إخوتنا من المسيحيين على العودة للاعتناء بمنازلهم".

وأضاف: “الجمعية تسهر، في الأثناء، على سلامة ممتلكات هؤلاء الأشخاص.. وفي صورة أراد اللصوص سرقة الأشياء، نقوم نحن بالقبض عليهم وتسليمهم إلى القوات البوروندية التابعة للميسكا (القوات الأفريقية في أفريقيا الوسطى).

وفي خضمّ ظهورها الأوّل، اختارت الجمعية، من بين أهداف أخرى ذات طابع عام، سلامة الدائرة الثالثة. توجّه يتّفق بشكل كبير مع مشروع “النقد مقابل العمل” للمنظمة الدولية للهجرة، والتي تدعم هذه المبادرة، حسب مدير المشروع المـذكور مكسين واداي.

واداي، قال في ذات الإطار: "أطلقنا هذا المشروع الداعم للمصالحة الوطنية وللتماسك الاجتماعي بين الطائفتين (المسلمة والمسيحية) منذ شهر مارس الماضي. فبهذه الطريقة، عبّرنا عن تفاعلنا مع نداء جمعية ‘لنطوي الصفحة’، والتي بادرت بجمع مسلمي ومسيحيي أحياء الدائرة الثالثة، لتطهير المنطقة. المنظمة الدولية للهجرة تدعمها لأنّها تمتلك الأهداف ذاتها، وهي السلام والتماسك الاجتماعي".

وتجسيدا لهذا الدعم، حصل أعضاء جمعية “لنطوي الصفحة” على معدّات العمل، متمثّلة في مجموعة من الدلاء لنقل القمامة إلى أمكنة تصريفها النهائية، ومعاول وأمشاط، إضافة إلى المكانس وعربات اليد.

منصور أمادو واديو، من المنظمة الدولية للهجرة، قال: "مشروعنا الأول استهدف سوق مامادو مبايكي (السوق الرئيسية في منطقة الكيلومتر 5)، واليوم السوق نظيفة للغاية. بعد ذلك، توجّهنا إلى شارع بوغاندا، والذي ينطلق من الكيلومتر 5 وصولا إلى الدائرة الثانية، فشارع كودوكو، من الكيلومتر 5 أيضا إلى الدائرة الخامسة، وجميع هذه الشوارع نظيفة تماما اليوم".

وتابع موضحا: "اليوم، نحن بصدد العمل على سوق كوبورو، السبب الرئيسي للفياضنات بالدائرة الثالثة، جرّاء انسداد الأنابيب لفترة طويلة، ولا أحد اهتمّ بتنظيفها. وفي الأثناء، قمنا بتجنيد فرق جوالة تجوب الأحياء لجمع القمامة".

انخراط المسلمين في هذا المشروع بدا على غاية الوضوح، غير أنّ السلام لا يمكن إحلاله بطريقة أحادية، هكذا ترى واحدة سكان حي “ياماباسا”، وتدعى شارلين كينغيليوا.

شارلين، قالت: “نحن مازلنا نخشى الذهاب إلى بقية أحياء بانغي مثل كمباتون وكوبونو في منطقة الـ “بي كا 12”.

السلطات عليها أن تدعم مثل هذه المبادرات وألا تدخر جهدا في توفير الوسائل لإنجاح المشاريع المماثلة

وأضافت مبدية تذمّرها: "على أنتي بالاكا (ميليشيات مسيحية) النسج على هذا المنوال، وفسح المجال للمسلمين للتنقّل إلى بقية الدوائر".

ومن جهة أخرى، غلب الرضى على ملامح المسيحيين من هذه المبادرة الاستثنائية. فالسيدة ميرابيل نغومبو، التي كانت من سكان حي “نغيبيغيوي”، ها هي تضع للمرة الأولى، منذ أشهر، قدميها في منزلها الذي تركته للصوص بعد اضطرارها إلى الفرار منه.

ميرابيل قالت إنّها تشعر بالحماس والسرور، قبل أن تضيف : "أنا متحمسة لرؤية هؤلاء الناس (المسيحيين) الذين لم ألاقيهم منذ 6 أشهر، ولهذا، أشكر من صميم قلبي جمعية ‘لنطوي الصفحة’، بالإضافة إلى المنظمة الدولية للهجرة، لهذه الفرصة التي منحونا إيّاها للتلاقي في هذا اليوم. علينا التّسليم بأنّ الماضي لن يعود، وأنّه بإمكان المسلمين والمسيحيين الصفح عن بعضهم البعض، والتصالح في ما بينهم، من أجل أن تعود العائلات الّتي تعاني في المخيّمات إلى ديارها".

ومن جانبها، رأت سيليستين كبارامبيتي (من سكان الدائرة الثالثة) أنّ مثل هذه المبادرات تساهم في إحلال السلام في أفريقيا الوسطى.

وحثّت هذه المسيحية من حي “راماندجي” السلطات على عدم ادّخار الجهد والوسائل لدعم مشاريع مماثلة.

وأضافت قائلة: “حين كنا في المخيم، كنا نتساءل: كيف هي أحياؤنا ومنازلنا؟ لكن اليوم، وبفضل هذه الجمعية، استطاع الناس الخروج للعمل معا، وهذا يبعث الفرح العارم فيّ، وأطلب من الحكومة توفير الدعم المادي لها لمواصلة عملها.. فالسلام لن يعمّ بلادنا مرة أخرى إلاّ بهذه الطريقة”.

13