دعوة المتشددين لغلق المقاهي في تونس تثير استنكارا شعبيا

حرصت تونس في مختلف مراحلها السياسية على المحافظة على مناخ الحريات ومبادئ الديمقراطية. لكن وصول الإسلاميين إلى السلطة عقب ثورة يناير 2011 سمح للأفكار المتشددة بمحاولة فرض نمط دخيل على انفتاح المجتمع التونسي. ومن بين هذه المحاولات إقدام رجل الدين والسياسي عادل العلمي على شنّ حملة ضد المفطرين في شهر رمضان، متجاوزا بذلك كل القوانين.
الخميس 2017/06/01
دين تسامح لا اعتداء على الآخر

تونس - أثارت حملة قادها عادل العلمي، رئيس حزب الزيتونة وجمعية التنمية والإصلاح في تونس، لتصيّد المفطرين في المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان جدلا كبيرا. واستنكر الرأي العام صمت السلطات أمام سلوك العلمي المنافي للحريات ومبادئ الجمهورية الثانية.

وظهر العلمي في مقاطع فيديو نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مرفوقا بمراقب قانوني (عدل تنفيذ) لرصد المقاهي المفتوحة في شهر رمضان. وقال في مقطع الفيديو متوجّها إلى متابعيه على الإنترنت “توكلنا على بركة الله في بداية الحملة”.

وعقب ثورة يناير 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، قادت جماعات سلفية متشددة حملات مشابهة خلال شهر رمضان نتج عنها اعتداءات بالعنف ضد مفطرين.

ويبرز مقطع الفيديو العلمي أمام أبواب مغلقة لمقهى وهو يسأل أحد عماله ما إذا كان مفتوحا للعموم، كما طلب المراقب القانوني في نفس الوقت دخول المقهى لإجراء معاينة لكن العامل لم يسمح له بذلك.

وتتجدد في كل سنة خلال شهر رمضان حملات العلمي ضد المفطرين، إذ تتواصل لعامها الثالث على التوالي. لكن وزارتي الشؤون الدينية والداخلية لم تتدخلا في الموضوع.

وقال علي الزرمديني الخبير الأمني، لـ”العرب”، إنه “لا يمكن لأي فرد في مجتمع مدني متحضر اختار نمطا حياتيا مبنيا على الحرية واحترام السلوكيات الفردية التي تتماشى مع القانون أن يأتي مثل هذا السلوك”.

وتابع الزرمديني “العلمي لم يحترم الدولة ومؤسساتها وخيار الصيام فردي بين الإنسان وربه”. وأوضح أنه في بلد منفتح كتونس اختار نمطا معينا “لا يليق بنا مثل تصرف العلمي من طرف أفراد، فهناك قوانين سارية على الجميع الالتزام بها”.

ودعا إلى ضرورة اتخاذ إجراء ردعي ضد كل من ينصّب نفسه مكان الدولة في محاسبة المواطنين وضد كل من يخالف قوانين البلاد. وقال “لا يمكن لأي أحد مهما كان وزنه وصفته وأيديولوجيته أن يضع خطا يواجه به الدولة لأن في هذا التصرف خرق للقوانين”.

ولفت الزرمديني إلى أن “الدولة تصدر قرارات تحدد مواعيد عمل المقاهي والمطاعم السياحية في شهر رمضان إلى جانب إجراءات أخرى احتراما للصائمين ومراعاة لمشاعر الصائمين”.

وأصدرت 17 منظمة حقوقية، بداية الأسبوع، بيانا علقت فيه على قرار حكومي يقضي بإجبار عدد من المقاهي والمطاعم على غلق أبوابها. وحذّرت الجمعيات الموقعة على البيان من خطورة هذه الممارسات “التي تشكل إنكارا لقيم العيش المشترك وتهدّد بشكل جدّي النموذج المجتمعي ومكاسب الشعب التونسي”، خصوصا حرياته المضمونة دستوريا.

ودعت المنظمات السلطات التونسية إلى احترام التزاماتها الدستورية والمتمثلة في ضمان حرية الضمير وحرية المعتقد. كما حمّلتها مسؤولية حماية الأفراد من أي اعتداءات محتملة.

ويقرّ الدستور التونسي، المصادق عليه عام 2014، مبدأ المساواة والحريات الفردية لجميع المواطنين وحماية الحياة الخاصة وحرية المعتقد والضمير والقيام بالشعائر الدينية.

وقال الشيخ محمد بن حمودة، في تصريح لوسائل إعلام محلية، إن “ما يقوم به عادل العلمي من حملات لغلق المقاهي ومقاضاة أصحابها ضد الإسلام وتسلط على رقاب الناس. وأوضح أن التدخل في شؤون الناس وإرغامهم على أداء عبادة ما، سواء الصلاة أو الحج أو الصوم يعتبر تعديا على حق الله”.

وأشار عبدالستار السحباني الباحث في علم الاجتماع، لـ”العرب”، إلى أن العلمي استفاد من تعاطف جزء من الرأي العام خاصة البعض من الصائمين “ومن مساعدة غير مباشرة لأحزاب تونسية لا ترى مشكلة في إغلاق المقاهي”.

وقال السحباني إن “سلوك العلمي خطير يشرّع لسلوك أخطر شبيه بمحاولات المتشددين السابقة في فرض نمطهم على المجتمع التونسي”. ولفت إلى أنه للحد من سلوكيات أخرى مثل ما أتاه العلمي يجب على الدولة أن تعود إلى سلطة القانون، حتى لا يستغل البعض الفراغ القانوني الذي لا يمنع مثل هذه التصرفات الدخيلة على المجتمع التونسي.

ولا يوجد في تونس نص قانوني يعاقب المفطرين في رمضان. وتمنح السلطات البلدية الإذن للبعض من المقاهي والمطاعم وسط العاصمة وفي المدن الكبرى والأحياء الراقية لفتح أبوابها نهارا في رمضان. وتفرض السلطات على المحلات التي منحتها الإذن للعمل في رمضان خلال النهار شروطا من بينها تغطية الواجهات والأبواب بحيث لا يرى المارة الزبائن أثناء تناولهم وجبات أكل أو مشروبات.

وأوضح عثمان بلحاج عمر أستاذ القانون، لـ”العرب”، أن القانون التونسي لا يمنع العلمي من الاعتداء على المفطرين “وهذا خطر كبير يمس بالحريات فالصوم أو الإفطار خيار شخصي وحرية فردية”.

وأضاف “من الغريب أن حبر حرية الضمير (تم التنصيص عليه في دستور 2014) لم يجفّ بعدُ على الورق، ليقوم شخص كالعلمي دون المستوى الديني والأخلاقي بمثل هذا التصرف”.

ويرى بلحاج عمر أن “تداعيات وصول الإسلام السياسي، المتعاطف مع الأفكار المتشددة والذي يضيّق الخناق على الحريات وعلمانية الدولة، إلى السلطة في تونس أفرزت مثل هذا السلوك”. وقال “اليوم حركة النهضة في السلطة ومن أنصاره أمثال العلمي، فالنهضة تأمرهم ولا تزجرهم رغم أنها قادرة على منعهم”.

وعُرف عن عادل العلمي مواقفه الدينية المثيرة للجدل. والعلمي من أنصار اعتماد الشريعة الإسلامية، أثناء ذروة نقاش رافق صياغة الدستور التونسي الجديد بعد ثورة 2011.

4