دعوة المرشد الأعلى إلى تبني اقتصاد المقاومة تشي بنيته إفشال اتفاق جنيف

السبت 2014/11/15
وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف خلال لقاء مسقط مع نظيره الأميركي جون كيري وكبيرة المفوضين الأوروبيين كاثرين آشتون

لندن - مع اقتراب أجل انتهاء المفاوضات بين الغرب وإيران حول ملفها النووي يبدو أن الطرفين يتّجهان إلى مرحلة الخيارات الصعبة. لكن التساؤل الذي مازال يبحث له عن إجابة داخل أروقة الإدارة الأميركية هو: ماذا سيحدث لو تعرّض اتفاق الحد من التسلح النووي (بين الكتلة الشرقية والغربية)، الذي صمد طويلا، إلى الإخفاق على يد الإيرانيين؟

يدرك الأميركيون أن التوصل إلى اتفاق شامل طويل الأمد حول الملف النووي الإيراني، قبل الـ24 من نوفمبر الجاري، يعدّ أمرا صعب التحقّق. في المقابل، لا يبدو أن هناك مؤشرات واضحة على أي “خطة ب” لدى المسؤولين في الغرب، في الوقت الذي بدأ فيه المحرّكون الأساسيون للأحداث في إيران يتأقلمون مع طابع الحياة بعد فشل المفاوضات.

ومع اقتراب الموعد المحدد، يبدو أن عاما كاملا من المفاوضات بين إيران والقوى العالمية الست لم يغيّر كثيرا في هذه القضية التي تشغل العالم منذ 12 عاما، حيث يقول مسؤولون إن الجانبين لن يلتزما على الأرجح بمهلة غايتها 24 نوفمبر للتوصل إلى اتفاق نهائي لرفع العقوبات عن طهران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي.

ومع اقتراب الموعد المحدد لانتهاء المفاوضات تخوض إيران والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين ومسؤولة السياسة الخارجية السابقة في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون محادثات ماراطونية بين بروكسل ومسقط وفيينا. وعقب كل لقاء يصرح كل الأطراف بأن التوصل لاتفاق شامل لا يزال ممكنا لرفع كل العقوبات في مقابل وضع قيود بعيدة المدى على البرنامج النووي الإيراني لضمان ألا تصنع إيران أبدا سلاحا ذريا.

نقاط الخلاف الرئيسية
*حجم برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم

* مدة أي اتفاق طويل الأمد

* وتيرة رفع العقوبات الدولية

* عدد أجهزة الطرد المركزي

* مفاعل آراك النووي الذي يعمل بالماء الثقيل

لكن في الجلسات الخاصة تظل التوقعات أكثر تواضعا بكثير إزاء ما يمكن تحقيقه. وتؤكّد ذلك من خلال تصريحات نقلتها وكالة رويترز عن دبلوماسي غربي رفيع المستوى، دون ذكر اسمه، حين أكّد أنه لم يتضح بعد إذا كان فريق التفاوض الإيراني بقيادة وزير الخارجية محمد جواد ظريف ونائبه عباس عراقجي يملك تفويضا لتقديم شكل التنازلات المطلوب لابرام اتفاق. وتابع المتحدّث قائلا: “لا نعلم إن كان المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي سيسمح لهم بالتوصل إلى شكل الاتفاق الذي نريده”.


نمو الاقتصاد أم البرنامج النووي؟


ترفض إيران وقف برنامجها لتخصيب اليورانيوم مما أدى إلى فرض عقوبات شديدة عليها من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة فتراجعت عوائد النفط الإيراني وارتفعت معدلات التضخم والبطالة في البلاد.

نتيجة لذلك، بات الشاغل الأساسي لطهران هو: كيف يتم التوسّع في البنية التحتية المتّصلة بالبرنامج وذلك بالتوازي مع الــحفاظ علـــى قدر من النــمو الاقتــصادي.

وكان الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي أول من اتّخذ خطوات ملموسة في هذا الاتجاه عندما تجنّب تعريض بلاده إلى عقوبات اقتصادية منهكة وفضّل التعطيل المؤقت للأنشطة النووية.

بعدها جاءت فترة حكم محمود أحمدي نجاد، الذي قرّر توسيع البنية التحتية النووية مقابل التضحية بالانتعاش الاقتصادي، الذي تحقّق على يد سلفه، وتسببت سياسة نجاد في خسارة إيران لـ800 مليار دولار خلال 8 سنوات، حسب مركز الديمقراطية لإيران.

وكان نجاد قد استأنف تخصيب اليورانيوم خلال أسابيع من توليه منصبه عام 2005، وأصرّ طوال فترة حكمه على سياسة “اللا تنازلات”، على عكس الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني الذي حاول الجمع بين الاثنين من خلال التوصل إلى اتفاق مؤقّت مع الغرب لرفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، لكنه مازال يواجه احتمالات عدم التوصل إلى اتفاق نهائي.

وبالنظر إلى ما تحقّق في الملف يبدو أن كل ما تمكن حسن روحاني من فعله هو الوصول بإيران إلى مفترق الطرق. لكن القرار الأخير ليس بيده، لأن الرئاسة في النظام الإيراني مؤسسة محدودة الصلاحيات، والمرشد الأعلى هو الذي يقرر السياسات العليا على غرار الملف النووي.

بناء على ذلك، يبدو واضحا لماذا فشلت مقاربات رؤساء إيران بخصوص الملف النووي لبلادهم، مقابل “صمود” مقاربة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي والمحافظون المحيطون به الذين يصرّون، إذا وجدوا أنفسهم أمام ضرورة الاختيار، على المضي قدما لتحقيق طموحاتهم النووية، حتى ولو كان ذلك على حساب اقتصاد البلد.


ماهي مقاربة المرشد الأعلى؟


خلال السنوات الماضية، كان خامنئي يدفع إيران دائما في اتجاه الاحتمال الذي طالما تبنّاه والذي يقوم على إنشاء اقتصاد المقاومة لمواجة العقوبات الغربية المفروضة على البلاد بسبب برنامجها النووي.

أعاد المرشد الأعلى التذكير بهذه الاستراتيجية الشهر الماضي حين قال: “بدلا من الاعتماد على عائدات النفط (الخارجية)، على إيران أن تركّز أكثر على قوتها الداخلية ومصادرها على الأرض”.

لا حل في الأفق للملف النووي الإيراني
عمان - استضافت مسقط، مؤخرا، لقاء جمع دبلوماسيين كبارا من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن (بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة) بالإضافة إلى ألمانيا مع كبيرة المفاوضين الأوروبيين كاثرين أشتون ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لسد الثغرات في اتفاق يرغب الجانبان في التوصل إليه بحلول الـ24 من الشهر الجاري.

لكن، المفاوضات شهدت صعوبات، وفق ما صرّح به يوسف بن علوي بن عبدالله، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية بسلطنة عمان، الذي استطرد مؤكّدا أن الحلول ممكنة للخروج بنتيجة إيجابية من المشاورات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني بهدف الوصول إلى حلول في هذا الملف الخطير وإيجاد الاستقرار في المنطقة.

وبحثت الاجتماعات التي استضافتها مسقط النقاط العالقة في المباحثات، حول برنامج إيران النووي مع المجموعة الدولية وخاصة مسألة التخصيب وعدد أجهزة الطرد المركزي والمفاعلات التي تعمل بالماء الثقيل والعقوبات المفروضة على إيران.

وأشار ابن علوي إلى أنه ما زالت هناك بعض الصعوبات والتباينات بين الأطراف، لكن يمكن إيجاد حلول متفق عليها، فهذه ليست مفاوضات اتخاذ قرار حيث سيتبعها اجتماع في 18 الجاري بفيينا ومن ثم الاجتماع الوزاري في الـ24 من نوفمبر الجاري ووقتها سيتم اطلاع العالم بما تم التوصل إليه.

من جانبه، أوضح جون كيري وزير الخارجية الأميركي أن الولايات المتحدة وشركاءها لا يفكرون في مد المهلة إذا لم يتم الوصول إلى اتفاق يوم 24 من نوفمبر الجاري، واشترط في احتمال أن تمتد المفاوضات إلى ما بعد هذا الموعد، الاتفاق على القضايا الرئيسية بحيث لا يتبقى سوى الانتهاء من التفاصيل الفنية.

بدوره قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: “ما زال هناك تباعد” في المواقف بشأن “حجم برنامج التخصيب وآلية رفع العقوبات”.

إلى ذلك أكد الرئيس الأميركي باراك أوباما أن “الفجوة ما زالت كبيرة” في المفاوضات النووية الدولية مع إيران. وتساءل في مقابلة مع شبكة "سي بي اس" “هل سنتمكن من سد هذه الفجوة الأخيرة؟”.

ويقوم اقتصاد المقاومة، وفق خامنئي، على:

* تفعيل جميع الطاقات والمصادر المالية والكوادر الإنسانية والعلمية بهدف تنمية خلق فرص العمل وتنويع الصادرات

* الحد من الاعتماد على مبيعات المواد الخام وتعزيز الصناعات التقنية العالية القائمة على المعرفة

* زيادة الاحتياطي الاستراتيجي للنفط والغاز في البلاد من أجل التأثير على الأسواق العالمية للنفط والغاز

وعلى مدى السنوات التي أعقبت فرض العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، ظلت مفاهيم الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس تحتلّ جانبا راسخا في عقيدة المحافظين الإيرانيين.

ومنذ ثمانينات القرن الماضي حافظ المتشدّدون على اعتقادهم، الذي شكّل ركيزة أساسية في رسم السياسة الخارجية لطهران، بأن الثورة الإيرانية هي “إنجاز تاريخي لا يمكن للولايات المتحدة أن تقبل به”.

ويعبّر عن هذه الكتلة المحلل مهدي حسن زادة، الذي أيّد في مقال له نشر في صحيفة “خرسان” الإيرانية المحافظة، العام الماضي، فكرة اقتصاد المقاومة، قائلا إن “اقتصادا يعتمد على الإنتاج المحلي أفضل من ذلك الذي يظل معلّقا في انتظار رفع مجموعة صغيرة من العقوبات أو حتى التخلّص منها جميعا”.

لكن، لا يبدو، أن هذا الرأي يلاقي تأييد الكثيرين، في إيران، حيث يرى المعارضون أن طهران لا تستطيع، من خلال تطوير الصناعات المحلية، أن توفّر أكثر من الاحتياجات الأساسية للسكان. وتتهم المعارضة الرجعيين في إيران بأنهم يفضّلون العيش في بوتقة “فقر وطني” على التخلي عن “برنامج وطني” لإنتاج السلاح النووي.


هل تنجح عقلية الحصار؟


على نفس الخط، يروّج المتشددون في إيران إلى أن القوى الغربية تعكف على التآمر دائما ضد “دولة إسلامية لا تستطيع التحكّم فيها”، ومن ثم اتجهوا إلى خفض الاعتماد على السلع التصديرية الإيرانية.

من هذا المنطلق امتدّ الاعتقاد بين كل تيارات المحافظين الإيرانيين بأن العزلة هي الأداة الأنجع للحفاظ على الهوية الأيديولوجية لإيران.

وكانت “عقلية الحصار” هي وقود الدفع داخل إيران لامتلاك الأسلحة النووية، وأحد أسباب فشل المفاوضات بين إيران ومختلف القوى الغربية، على امتداد أكثر من عقد من الزمن.

ورغم أن الكثيرين في الغرب يتمنّون، في جلساتهم الخاصة، أن يظلّ الاتفاق المؤقت كما هو دون التوصل إلى آخر نهائي، يبقي الإيرانيون على مثابرتهم في المفاوضات حتى النهاية. لكن، ذلك لا يعني أن لطهران نيّة صادقة في انهاء النزاع، بل إن تجديد المرشد الأعلى لفكرة الاعتماد على اقتصاد المقاومة، تشي بأن لعبة الكرّ والفرّ بين إيران والغرب مازالت متواصلة.

يؤكّد هذه الفرضية، راي تقي، في مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، حيث كتب كاشفا أن تاريخ الدبلوماسية الإيرانية المتصلة بملفها النووي يوضح أن “الإيرانيين سيلجأون إلى التخلّي عن أي اتفاق مع الغرب في الوقت الذي يتوصلون فيه إلى القدرة التكنولوجية الكافية لتحقيق طفرة سريعة في برنامجهم النووي”.

علي خامنئي: بدلا من النفط على إيران أن تركز على قوتها الداخلية

ويضيف تقي أنه “بين عامي 2003 و2005 بينما كان الأوروبيون يتفاوضون من أجل تعليق إيران لبرنامجها النووي، تمكّنت طهران من مراكمة مواد نووية وصقل مهارات باحثيها، وعندما باتت مستعدة، تخلت عن تعهداتها على الفور”.

وعلى ما يبدو فإن نفس الشيء يتكرر الآن. فقد وقعت روسيا وإيران، مؤخّرا، اتفاقا لبناء مفاعلين نوويين جديدين لمحطة بوشهر الإيرانية.

وربما لا يتعدّى ذلك وسيلة ضغط لتحقيق هدف التوصل إلى رفع كامل للعقوبات الاقتصادية الذي تمنته إيران دائما. ولطالما شكل هذا الهدف ضغطا كبيرا على الوفد الإيراني المفاوض من أجل التوصل إلى رفع العقوبات.

وتريد طهران أن يتم ذلك بسرعة بينما يريد الرئيس الأميركي باراك أوباما أن ترفع العقوبات ضمن عملية بطيئة بالتوازي مع التزام إيران بتعهداتها الدولية؛ لكن يبدو أن بعض التغيير قد يطرأ في الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني بعد فوز الجمهوريين بأغلبية المقاعد في الكونغرس الأميركي. فكونغرس يهيمن عليه الجمهوريون لن يكون طيعا في حال قبل أوباما تمديد المفاوضات مع إيران إلى ما بعد نوفمبر


ما مدى تأثير الجمهوريين؟


اتخذ الجمهوريون موقفا متشددا من إيران وهدّدوا بفرض عقوبات جديدة عليها. وتحدثت تسريبات عن قلق الجانب الإيراني المفاوض من الانتخابات الأميركية، وقالت إنه أثار المسألة في المفاوضات الأخيرة التي جرت سلطنة عمان.

وهذا القلق ينبع من عدم ثقة الجمهوريين بإيران.

وعلى ضوء نتيجة الانتخابات الأميركية، تتوقّع تحاليل استخباراتية أن صعود الجمهوريين، وإمكانية الخلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين حول إيران، سيشكّل حافزا للمحافظين في طهران من أجل المضي قدما في خططهم التي لا تكترث كثيرا بتطــبيق مزيد من الــعقوبات على الإيرانــيين.

المحافظون يصرون على ضرورة المضي قدما لتحقيق طموحاتهم النووية حتى ولو كان على حساب اقتصاد البلد

تترجم ذلك تحرّكات علي أكبر صالحي، رئيس هيئة الطاقة الذرية في إيران، في اتجاه الإسراع بتدشين أجهزة جديدة للطرد المركزي. وقال صالحي الشهر الماضي إن “أجهزة الطرد المركزي الجديدة ستستخدم لإنتاج اللقاحات”.

بعدها اعترف صالحي، في لحظة شفافية نادرة، بأن هذا النوع من الأجهزة الجديدة “لا يمكن شراؤها من السوق العالمية، ولا يمكن بيعها لأنها من الممكن أن تستخدم بطريقة مزدوجة ولأغراض أخرى”.

ويبدو أن صالحي كان يشير إلى القدرة العالية لهذه الأجهزة على إنتاج يورانيوم عالي التخصيب بسرعة وكفاءة.

كل هذه المعطيات تشير إلى أنه في الوقت الذي يشعر فيه العلماء الإيرانيون بالثقة من توصلهم إلى شيء ما باستخدام تلك الأجهزة الجديدة، فإن “خطة العمل المشتركة” مع الغرب ستلقى نفس المصير الذي واجه جميع الاتفاقات السابقة بين طهران وأوروبا.

وكانت إيران ومجموعة (5+1)، توصلتا في الـ24 من نوفمبر 2013 في جنيف؛ إلى اتفاق مؤقت مدته 6 أشهر، ينص على أن تحد طهران من أنشطتها النووية، وعلى وجه التحديد، وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمئة، مقابل رفع جزئي للعقوبات يشمل الإفراج عن أرصدة إيرانية مجمدة، وتمَّ تمديد الاتفاق المؤقت حتى الـ24 من نوفمبر الجاري.

7