دعوة بابوية لتجاوز المظالم بالصفح والتعاون بين الكوريتين

الثلاثاء 2014/08/19
البابا عول على رمزيته الدينية للم شمل الفرقاء الكوريين

سيول- الصراع الذي تشهده شبه الجزيرة الكورية منذ زمن بلغ من التشعّب مرحلة أضحت معها الحلول صعبة وشحيحة حدّ الانعدام، لتسمّك كلا الطرفين بمواقفه وشروطه التعجيزية أحيانا، ممّا زاد من معاناة العائلات التي قُسّمت زمن الحرب وبقيت تنتظر لمّ شملها من جديد على أمل اتّفاق الفرقاء. تداعيات هذا الصراع ومحاولة إيجاد سبل لإنهائه كانت إحدى أهم النقاط الرئيسية على أجندة البابا فرنسيس الأول خلال زيارته الأخيرة التي أدّاها إلى كوريا الجنوبية.

في إطار هذه الزيارة، وجه البابا فرنسيس لدى وصوله إلى سيول نداء إلى الكوريتين دعاهما فيه إلى تجاوز “الاتهامات المتبادلة” عبر الحوار والكف عن “نشر القوات”. وأمام الرئيسة بارك غوين-هيي وعدد من مسؤولي البلاد، أشاد البابا، الذي تجنب بحذر الدخول في متاهات نزاع إقليمي معقد، بـ”الجهود المبذولة من أجل المصالحة والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية”. وقد شجّع هذه الجهود معتبرا أنّها “الطريق الوحيدة نحو سلام دائم”.

وتجنب البابا، الذي تحدث بالإنكليزية للمرة الأولى في مناسبة رسمية، تسمية النظام الشيوعي في كوريا الشمالية، متجنبا بصفته زعيما دينيا صبّ الزيت على النار، وإن كانت تلميحاته إلى المظالم والاضطهادات ونشر القوات المسلحة، تعني بيونغ يانغ أولا.

ومن جهة أخرى، قال إنّ “الدبلوماسية بصفتها فنّ الممكن تقوم على التمسك بالاعتقاد الحازم بأنه يمكن بلوغ السلام عبر الإصغاء الهادىء والحوار، بدلا من تبادل توجيه الاتهامات والانتقادات العقيمة ونشر القوات”. وتعبر هذه الفكرة عن رؤيته العامة لطريقة حل النزاعات التي أعرب عن قلقه العميق بشأنها وهو في طريقه لتأدية هذه الزيارة.

القداس الذي أقامه البابا خلال زيارته هو في المقام الأول صلاة من أجل إتمام مصالحة بين فرقاء الأسرة الكورية

وذكّرت الرئيسة بارك غوين-هيو، التي استقبلته في البيت الأزرق مقر إقامتها الرسمي، بأنّ “أكثر من 70 ألف عائلة ما زالت منقسمة منذ تقسيم شبه الجزيرة أواخر الحرب التي دامت من 1950 إلى 1953.

وقالت في ذات السياق: “نريد توحيد شبه الجزيرة”، مشيرة إلى “ضرورة تخلّي كوريا الشمالية عن برنامجها النووي”. هذا البرنامج الذي تؤكد بيونغ يانغ أنّه مخصص لأهداف مدنية، لكن سيول وواشنطن تشتبهان في أنّ النظام يريد حيازة صواريخ بالستية مزوّدة بعبوات نووية. وبدوره، أشار البابا إلى اسم “بلاد الصباح الهادىء” الّذي يطلق على كوريا، ليشيد بـ”إرث أضاعته سنوات من العنف والاضطهادات والحرب”.

كما أضاف بتأثر: “رغم المحن، دائما ما كانت حرارة النهار وعتمة الليل، تسفران عن ولادة صباح هادىء، أي ولادة أمل راسخ في العدالة والسلام والوحدة”، داعيا إلى “تجاوز المظالم بالصفح والتسامح والتعاون”.

ومن جهة أخرى، دعا البابا، خلال قداس أقامه، أمس الأثنين، من أجل السلام والمصالحة في شبه الجزيرة الكورية، كما صلى من أجل المسيحين المضطهدين في العراق.

وترأس قداسا من أجل السلام والمصالحة في كاتدرائية ميونغ دونغ في العاصمة الكورية الجنوبية سيول بحضور ألف كوري جنوبي من بينهم رئيسة البلاد بارك كون هيه. بعد أن رفضت كوريا الشمالية إرسال وفد ممثل عنها، رغم أنّ البابا أصرّ على أنّ “ذاك القداس هو في المقام الأول صلاة من أجل مصالحة هذه الأسرة الكورية”.

وبالتزامن مع كلمة البابا بدأت القوات الكورية الجنوبية والأميركية في إجراء تدريبات عسكرية لمدة أسبوعين، كانت كوريا الشمالية قد أدانتها سابقا ووصفتها ” بغير المقبولة “، وقالت إنّها تستحق “ردا حاسما وقويا”.

ويذكر أن بيونغ يانغ، كانت قد أطلقت في اليوم الذي بدأ فيه البابا رحلته إلى كوريا في 14 أغسطس الجاري، خمسة صواريخ في البحر. وقالت كوريا الشمالية بعد ذلك إنّ هذا الإجراء ليست له علاقة بزيارة البابا، ولكنه من أجل الاحتفال باستقلال كوريا الشمالية عن اليابان.

البابا فرنسيس الأول: الدبلوماسية بصفتها فن الممكن تقوم على الاعتقاد بأن السلام يتم عبر الحوار

وفي هذا الإطار، طالب البابا الكوريين “برفض العقلية التي تتشكل بناء على الشك والمواجهة والمنافسة”، كما طالب برعاية “الأقل حظا والمهمشين الّذين لا يعملون ولا يملكون أيّ نصيب من الرفاهية الّتي يتمتع بها الآخرون”.

وصلى البابا، الذي أرسل أحد الكرادلة الذين كانوا من المفترض أن يصاحبوه لتوزيع المساعدات الإنسانية في العراق، من أجل “جميع الأقليات الدينية التي تعاني في هذه الأرض”.

كما شدد، من جهة أخرى، على ضرورة اتباع كاثوليكية متسامحة و”خلاقة” في آسيا التي تتسم بتنوع ثقافي وديني هائل، ودعا الدول الآسيوية التي لا تقيم علاقات مع الفاتيكان مثل الصين وكوريا الشمالية إلى إجراء حوار بناء مع الكرسي الرسولي.

وفي خطاب ألقاه أمام أساقفة من 22 بلدا اجتمعوا برئاسة مطران بومباي الكاردينال اوسوالد غراسياس، دعا البابا الكنيسة إلى التمسك “بالتنوع وأن تكون خلاقة في شهادتها بفضل الحوار والانفتاح على الجميع”.

وقال إن المسيحيين “يشكلون فعلا مجموعة صغيرة في هذه القارة الكبيرة بثقافاتها وتقاليدها القديمة. وإذا أردنا ألّا يكون حديثنا حوارا داخليا فيجب أن يكون هناك انفتاح في العقل والقلب لقبول الأفراد والثقافات”. في المقابل، دعا الحبر الأعظم الدول الآسيوية التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع الفاتيكان إلى البرهنة على الانفتاح.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الكاثوليكية “مقموعة” من قبل النظام الشيوعي في كوريا الشمالية حيث تقول الأمم المتحدة إن المسيحيين الكوريين الشماليين يتعرضون للاضطهاد غير أنّها تشهد ازدهارا في كوريا الجنوبية الّتي تعد من “نمور” آسيا وتسجل نسبة نمو مرتفعة. كما يذكر أنّ كوريا الجنوبية كانت قد دعت الكاثوليك في كوريا الشمالية إلى المشاركة في استقبال البابا، لكن بيونغ يانغ رفضت السماح لهم بتلبية الدعوة.

13